دخل المغرب رسميا مرحلة جديدة من التحول الديموغرافي، بعدما تراجع معدل الخصوبة إلى ما دون عتبة تجديد الأجيال، مسجلا 1.97 طفل لكل امرأة خلال سنة 2024، وفق أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط. ويؤكد هذا المستوى استمرار المنحى التنازلي للولادات، بعد أن كان المعدل يبلغ 2.22 سنة 2014 و2.5 سنة 2004، ما يعكس تغيرات عميقة في البنية السكانية وأنماط الإنجاب.
ورغم هذا التراجع الوطني، تكشف البيانات عن تفاوتات جهوية واضحة، إذ لا تزال أربع جهات فقط تحافظ على معدل يفوق عتبة تجديد الأجيال المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة. وتتصدر جهة درعة-تافيلالت الترتيب بمعدل 2.35 طفل، تليها الداخلة-واد الذهب (2.25)، ثم العيون-الساقية الحمراء (2.17)، فمراكش-آسفي (2.13)، بينما تسجل جهة الشرق أدنى معدل على الصعيد الوطني بـ1.73 طفل لكل امرأة.
وتبرز الفوارق كذلك بين الوسطين الحضري والقروي، حيث تظل القرى أكثر خصوبة في عشر جهات من أصل اثنتي عشرة. ويظهر أكبر فارق في جهة الرباط-سلا-القنيطرة، إذ يبلغ المعدل 2.49 طفل في القرى مقابل 1.70 في المدن، فيما تسجل جهتا الداخلة-واد الذهب وكلميم-واد نون وضعا مغايرا، حيث يتجاوز معدل الخصوبة في الوسط الحضري نظيره القروي.
وتعكس مؤشرات “الذرية النهائية” لدى النساء اللواتي أنهين مسارهن الإنجابي استمرار هذا التباين، إذ يبلغ المتوسط الوطني 2.8 طفل لكل امرأة، موزعا بين 2.5 في المدن و3.4 في القرى. وتتصدر درعة-تافيلالت هذا المؤشر أيضا، بينما تسجل جهة الدار البيضاء-سطات أدنى مستوى وطنيا.
وتؤكد المعطيات أن انخفاض الخصوبة لم يعد مرتبطا بمنطقة أو فئة عمرية بعينها، بل شمل مختلف الأعمار، خاصة النساء بين 30 و34 سنة، اللواتي يظللن الأكثر إنجابا رغم تراجع معدلاتهن مقارنة بالعقود الماضية. كما واصل حمل المراهقات انخفاضه بشكل لافت، إذ تراجع معدل الإخصاب لدى الفئة العمرية بين 15 و19 سنة إلى 11.29 بالألف، بعدما كان يفوق 28 بالألف سنة 1994.
وفي السياق نفسه، ارتفع متوسط سن الإنجاب الأول، بالتزامن مع تقلص الولادات ذات الرتب المرتفعة، ما يعكس تغيرا في السلوك الإنجابي للأسر المغربية. كما شهدت وسائل تنظيم الأسرة انتشارا واسعا، إذ بلغت نسبة استعمال موانع الحمل 72.8 في المائة سنة 2025، مع تقارب غير مسبوق بين الوسطين الحضري والقروي، بل وتفوق القرى في استخدام الوسائل الحديثة مقارنة بالمدن.
وتؤشر هذه المعطيات إلى دخول المغرب مرحلة ديموغرافية جديدة تتسم بتراجع الخصوبة وارتفاع سن الإنجاب، وهي تحولات تفرض تحديات مستقبلية مرتبطة ببنية السكان، وسوق الشغل، وأنظمة الحماية الاجتماعية، وسياسات التخطيط التنموي خلال العقود المقبلة.