بركة،شوكي،المنصوري،لقجع،الميداوي والسكوري.. من سيقود الحكومة ؟؟

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، لم يعد النقاش السياسي في المغرب يقتصر على مواضيع نسب المشاركة او الحزب الذي سيتصدر نتائج الانتخابات، بل اصبح النقاش ينصب حول موضوع أكثر تعقيداً وحساسية: هو موضوع الشخصية التي سيتم صاحب الجلالة تعيينها لقيادة الحكومة المقبلة.

وهو مو ضوع قد يبدو في الشكل انه مرتبطاً بالأسماء، لكنه في الجوهر يعكس طبيعة المرحلة التي يستعد المغرب لدخولها، بما تحمله من رهانات اجتماعية واقتصادية وجيو -سياسية ورياضية ومؤسساتية استثنائية في تاريخ المغرب المعاصر في مقدمتها كيفية تنزيل مشروع الحكم الذاتي وفق القرار الاممي 2797.

قد يلاحظ المتتبع للشان السياسي المغربي، انه بعد إعلان وزير الداخلية عن اللجنة المركزية للانتخابات، وانطلاق الأحزاب في عمليات ترتيب هياكلها الانتخابية واختيار مرشحيها، وظهور مؤشرات ان رئيس الحكومة المقبلة لن يخرج عن دائرة أحزاب الاغلبية الحالية الاستقلال و التجمع الوطني للاحرار و الاصالة والمعاصرة، بدأ تسريب بعض أسماء شخصيات سياسية وإدارية تتفاوت في مساراتها وتجاربها، من بينها نزار بركة بالنسبة للاستقلال، ومحمد شوكي بالنسبة للتجمع ، وفاطمة الزهراء المنصوري، ويونس السكوري، وعز الدين الميداوي بالنسبة للبام ، قد يثير ذكر ورير التعليم العالي الميداوي اسمه من بين المرشحين الكثير من التساؤلات ، لكنه تبقى له حظوظه لاسباب سنعود اليها بتفصيل في مقال اخر ، كما ان ذكر اسم السكوري من بين المرشحين يبقى واردا لان الكل يعرف مساره ، وان كان محاصرا اليوم من القيادة الجماعية الحالية ، وفوزي لقجع كتكنوقراطي احتياطي، حسب مصادر بلبريس كل هذه الاسماء مرشحة للعب أدوار محورية في المحطة المقبلة . غير أن القراءة الأكاديمية تقتضي الفصل بين ما تفرضه قواعد النظام الدستوري، وما تتيحه التوازنات السياسية، وما تسمح به الكفاءة القيادية.

في هذا الصدد نقر أن تعيين صاحب الجلالة لرئيس الحكومة في المغرب ليس مكافأة لمسار شخصي ناجح، ولا تتويجاً لإشعاع إعلامي أو إداري، وإنما هي نتيجة تفاعل معقد بين الشرعية الانتخابية، والاختيارات الدستورية، وموازين القوى الحزبية، والقدرة على إنتاج أغلبية سياسية مستقرة. ومن ثم، فإن أي محاولة لاستشراف هوية رئيس الحكومة المقبلة ينبغي أن تنطلق من فهم هذه المحددات، لا من منطق التوقعات أو الانطباعات او التخمينات.

د.ميلود بلقاضي

ويظل المحدد الدستوري هو نقطة الانطلاق. فالفصل 47 من دستور 2011 حدد قاعدة واضحة في تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب. وقد حسم هذا المقتضى، إلى حد بعيد، الجدل الذي كان يرافق تشكيل الحكومات في مراحل سابقة، وربط الوصول إلى رئاسة الحكومة بإرادة الناخبين كما تعبر عنها نتائج الاقتراع. ولذلك، فإن أي حديث عن شخصية رئيس الحكومة قبل معرفة الحزب المتصدر يبقى، في نهاية المطاف، مجرد قراءة في الاحتمالات، لا أكثر.

غير أن التجربة السياسية المغربية منذ دستور 2011 أظهرت أن تصدر الانتخابات يمثل بداية المسار وليس نهايته. فالتكليف الدستوري يحتاج بعده إلى قدرة سياسية عالية على بناء تحالف حكومي متماسك، وإدارة التوازنات بين الأحزاب، وصياغة برنامج حكومي يحظى بتوافق مكوناته. وقد بينت التجارب السابقة أن نجاح رئيس الحكومة لا يقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها حزبه، وإنما أيضاً بقدرته على تحويل الأغلبية العددية إلى أغلبية سياسية منسجمة وقادرة على الاستمرار.

وتزداد أهمية هذا البعد بالنظر إلى طبيعة المرحلة المقبلة. فالحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات المقبلة لن تدبر مرحلة عادية من تاريخ المملكة، بل ستتولى قيادة مرحلة انتقالية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فهناك استكمال لبناء الدولة الاجتماعية، وتسريع لتنزيل النموذج التنموي الجديد، وتعزيز لجاذبية الاقتصاد الوطني في ظل التحولات الدولية، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، فضلاً عن مواكبة مشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية في سياق إقليمي ودولي متغير، والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 باعتباره مشروعاً وطنياً يتجاوز البعد الرياضي إلى رهان تنموي ودبلوماسي واستراتيجي.

لهذا السبب، فإن رئيس الحكومة المقبل لن يكون مطالباً فقط بإدارة القطاعات الحكومية، بل بقيادة مرحلة كاملة، تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع رهانات السيادة، وتتداخل فيها السياسة الداخلية مع التحولات الجيوسياسية، وهو ما يجعل الكفاءة القيادية عنصراً لا يقل أهمية عن الشرعية الانتخابية.

وفي ضوء هذه المعايير، يبرز نزار بركة باعتباره من أكثر الشخصيات التي راكمت تجربة سياسية ومؤسساتية ممتدة. فقد شغل مسؤوليات حكومية متعددة، وقاد مؤسسات وطنية، ويترأس اليوم حزب الاستقلال، بما يمنحه رصيداً سياسياً وخبرة في تدبير الملفات الاقتصادية والمؤسساتية. ويُنظر إليه باعتباره شخصية تميل إلى العمل الهادئ وإدارة الإصلاحات بمنطق التدرج والاستقرار، وهو ما يجعله أحد الأسماء الطبيعية في حال تمكن حزبه من تحقيق نتائج انتخابية تؤهله لقيادة الحكومة.

أما محمد شوكي، فيمثل اتجاهاً مختلفاً يقوم على تجديد النخب داخل حزب التجمع الوطني للأحرار. فقد برز خلال السنوات الأخيرة كأحد الوجوه الصاعدة التي تعكس انتقال الحزب نحو جيل جديد من القيادات، مع المحافظة على استمرارية المشروع السياسي والتنظيمي. وإذا نجح الحزب في الحفاظ على موقعه المتقدم انتخابياً، فإن شوكي سيكون من بين الأسماء التي قد تحظى باهتمام متزايد، خاصة إذا استطاع أن يثبت قدرته على الجمع بين الشرعية الحزبية، والكفاءة التنظيمية، والقدرة على إدارة التوافقات السياسية.

وفي المقابل، تمثل فاطمة الزهراء المنصوري تجربة تجمع بين التدبير المحلي والمسؤولية الحكومية والعمل الحزبي. وقد استطاعت أن تفرض حضورها كواحدة من أبرز القيادات النسائية في المشهد السياسي المغربي. وإذا ما تصدر حزبها نتائج الانتخابات، فإن احتمال قيادتها للحكومة سيكتسي دلالة سياسية ورمزية، تعكس تطور المشاركة النسائية في أعلى مستويات صناعة القرار، دون أن يكون ذلك بديلاً عن معيار الكفاءة الذي يبقى الأساس في أي تقييم موضوعي.

أما فوزي لقجع، فيحظى بمكانة خاصة في النقاش العمومي، بالنظر إلى ما راكمه من خبرة في تدبير المالية العمومية والإصلاحات الكبرى، فضلاً عن حضوره في عدد من الأوراش الوطنية ذات الامتداد الدولي. وقد جعل هذا المسار اسمه يتردد باستمرار في التحليلات السياسية، غير أن انتقاله إلى رئاسة الحكومة يظل مرتبطاً، مثل غيره، بالمسار الدستوري وبنتائج الانتخابات وبالاختيارات الحزبية، إذ إن الكفاءة التقنية، مهما بلغت، لا تُغني عن الشرعية السياسية التي يفرضها النظام الدستوري.

ويبرز يونس السكوري بدوره كأحد الوجوه التي استطاعت أن تجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة الحكومية، خاصة في ملفات التشغيل والحوار الاجتماعي، وهي ملفات ذات حساسية سياسية واجتماعية كبيرة. وقد عزز حضوره داخل المشهد العمومي بوصفه مسؤولاً يجمع بين البعد التقني والقدرة على التواصل، غير أن أي حديث عن أدوار أكبر يظل رهيناً بما ستفرزه التوازنات الحزبية والانتخابية.

أما عز الدين الميداوي، فيمثل نموذج المسؤول الذي بنى مساره على الكفاءة العلمية والتدبير الإداري، مستنداً إلى تجربة وازنة في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي قبل تحمله المسؤولية الحكومية. ويحظى بصورة إيجابية داخل الأوساط الأكاديمية والمؤسساتية، غير أن طبيعة مساره أقرب إلى نموذج رجل الدولة المتخصص منه إلى زعيم حزبي يقود أغلبية برلمانية، وهو تمييز تفرضه طبيعة النظام السياسي وآليات اشتغاله.

لذلك، تبدو المنافسة الحقيقية حول رئاسة حكومة المونديال أقل ارتباطاً بالبروفيلات profils  وأكثر ارتباطاً بتحديات النموذج الذي حدد صاحب الجلالة معالمه الكبرى، مغرب العهد الجديد لا يحتاج لرئيس حكومة يدير الملفات اليومية، بل لشخصية سياسية قادرة على استيعاب التحولات العميقة التي يعرفها العالم، وترجمة التوجيهات الاستراتيجية للدولة إلى سياسات عمومية ناجعة، وبناء توافقات سياسية ومجتمعية تحافظ على الاستقرار وتدفع بعجلة التنمية وتؤمن شروط المغرب الصاعد .

د.ميلود بلقاضي

belcadi@belpresse.com

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *