في خطوة حاسمة أشبه بـ “عملية جراحية” لتطهير الشريان العقاري بالمغرب، وضعت الدولة حداً لجدل طال أمده، بإعلان تجريد المحامين نهائياً من صلاحية تحرير العقود العقارية.
هذا القرار لم يكن مجرد تعديل قانوني عابر، بل جاء كإجراء طارئ لوقف نزيف حاد استنزف أراضي الدولة وأموال المواطنين على حد سواء نتيجة ممارسات لم تعد مقبولة في سوق المعاملات العقارية.
وقد كشفت وزير العدل عبد اللطيف وهبي في اجتماع لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين عن وجود شبكات منظمة تقوم بصياغة العقود العقارية؛ حيث تبين أن بعض “الكتاب العموميين” وكُتّاب المحامين كانوا يشتغلون في الظل بعيداً عن أعين أصحاب البدلة السوداء. هؤلاء استغلوا المطبوعات الرسمية للمحامين وأختامهم لإبرام عقود وهمية، وبيع أراضٍ سلالية وجماعية تابعة للدولة دون وجه حق، ليجد المحامي نفسه في مواجهة مباشرة مع القضاء دون أن يرى العقد أو يثبت هوية البائع وصحة ملكيته.
وأضاف وهبي، أن وزارة الداخلية أمام هذا الوضع الخطير أصدرت تقارير عدة حول هذا الموضوع لم يكن أمام النيابة العامة سوى التدخل الصارم، حيث فُتحت التحقيقات في حوالي 70 ملفاً عقارياً شائكاً. هذه الهزة القضائية أسفرت عن تفعيل المتابعة في حق 30 محامياً دفعة واحدة، ولم تقف عند هذا الحد، بل امتدت لتطال موظفين برئاسة كتابة الضبط أُدينوا بالمشاركة بعدما ثبتت مصادقتهم على التوقيعات دون التأكد من صحة الوثائق، ليواجه بعضهم عقوبات سجنية ثقيلة هزت ركائز هذا القطاع. وما تزال الأبحاث جارية مع عدد من المتورطين بالمحاكم واجهوا تهماً ثقيلة تتعلق بالمشاركة في التزوير.
وجاء ذلك بعدما قضت محاكم الاستئناف بتحميل رؤساء كتابة الضبط المسؤولية القانونية كاملة عن صحة الإجراءات والوثائق المستند عليها أثناء المصادقة على التوقيعات، وليس مجرد إثبات الهوية الظاهرية، مما قاد بعض هؤلاء الموظفين إلى خلف القضبان بعقوبات سجنية نافذة.
هذا المسلسل المعقد، كما فصّله الوزير، أنتج ضحايا كثر من المواطنين الذين دفعوا مدخرات حياتهم في عقود باطلة قانوناً ووجدوا أنفسهم دون عقارات، مما تسبب في إغراق المحاكم بدعاوى معقدة، وجد فيها المحامون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع زملائهم لرفض الكثيرين النيابة عن طرف ضد زميل له في المهنة.
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، شدد وهبي على أنها امتدت إلى إدارة الضرائب التي طالبت باستخلاص واجبات التسجيل عن هذه العقود رغم بطلانها، مهددة بالحجز على حسابات وممتلكات المحامين باعتبارهم محرري تلك العقود، ليتفاجأ المحامون بتبعات مالية وجنائية نتيجة طعن البائعين الحقيقيين في تلك المعاملات ونفيهم أي صلة بتلك الأراضي.
وفي نهاية المطاف، وأمام استحالة ضبط هذا “العالم المظلم” رغم المحاولات المتكررة لإنقاذ الموقف في عدة مدن، شدد وزير العدل على أن الدولة قررت الحسم عبر مراجعة شاملة لترسانتها القانونية شملت قانون الالتزامات والعقود، نظام الملكية المشتركة، الحقوق العينية، وقانون الإيجار المفضي إلى تملك العقار، حيث تم إلغاء كافة النصوص التي كانت تمنح المحامين صلاحية تحرير العقود.
والمثير في الأمر، حسب تصريحات الوزير، أن هذا التعديل الجذري حظي بتأييد واسع من لدن النقباء وهياكل مهنة المحاماة الذين اعترفوا بحجم المشاكل التي خلفتها هذه الصلاحية، معتبرين قرار حصر تحرير العقود العقارية بين الموثقين والعدول بمثابة طوق نجاة يحمي المحامين من أنفسهم ومن استغلال صفاتهم، ويضع حداً نهائياً لظاهرة النصب العقاري ويحمي أراضي الجموع والأراضي السلالية باعتبارها رصيداً عقارياً استراتيجياً للدولة وللمواطنين.