شهدت لجنة الداخلية بمجلس النواب اليوم الثلاثاء، نقاشاً سياسياً وإدارياً واسعاً حول مشروع القانون التنظيمي رقم 026.26 بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، بحضور أمال الفلاح السغروشني، وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة في المغرب حيث تباينت مواقف فرق الأغلبية والمعارضة بين الإشادة بخطوة الإصلاح والمطالبة بتقييم حصيلة أكثر من عقد من تطبيق القانون.
وفي هذا السياق، عبر نواب من فرق الأغلبية عن دعمهم لمشروع القانون، معتبرين أنه يشكل مدخلاً أساسياً لإصلاح الإدارة العمومية وتعزيز الحكامة الجيدة. وأكدوا على أن نجاح السياسات العمومية يظل رهيناً بكفاءة المسؤولين الإداريين وقدرتهم على تنزيل البرامج الحكومية على أرض الواقع.
بالنسبة للفريق الحركي شدد على ضرورة توضيح المعايير المعتمدة لإضافة مؤسسات وإدارات جديدة إلى لائحة المناصب العليا، متسائلاً عن أسباب استثناء مؤسسات أخرى من هذه اللائحة. كما دعا إلى مزيد من الشفافية في معايير التعيين لتفادي التأويلات والادعاءات المرتبطة بهذا الملف.
فيما أثار نواب فرق الأغلبية كذلك مسألة التفاوت في آجال التعيين، حيث يتم الحسم في بعض المناصب بسرعة كبيرة، مقابل استمرار شغور مناصب أخرى لأشهر طويلة، وهو ما يؤثر سلباً على السير العادي للمؤسسات العمومية. وتم في هذا الإطار الاستشهاد بحالة رئاسة جامعة مولاي سليمان ببني ملال التي ظلت شاغرة لفترة طويلة.
من جهة أخرى، دعا الفريق الحركي إلى جعل الكفاءة والاستحقاق والشفافية وتكافؤ الفرص والمناصفة معايير أساسية ووحيدة للولوج إلى مناصب المسؤولية، معتبراً أن إصلاح منظومة التعيين يشكل مدخلاً حقيقياً لتخليق الحياة العامة وتحديث الإدارة المغربية.
كما دعت فرق الأغلبية، إلى ضرورة الحد من هجرة الكفاءات والأدمغة المغربية، خاصة في قطاعات حيوية كالصحة والهندسة، مع ضرورة وضع آليات عملية للحفاظ على النخب الوطنية وضمان مساهمتها في تنزيل السياسات العمومية. كما أثير ملف اللاتمركز الإداري، حيث اعتبر بعض النواب أن استمرار تمركز القرار الإداري في الرباط يحد من فعالية التنمية المجالية ويكرس الفوارق الترابية.
في المقابل، ركزت المعارضة على ضرورة إجراء تقييم شامل لحصيلة 14 سنة من تطبيق القانون التنظيمي الخاص بالتعيين في المناصب العليا، معتبرة أن التجربة أفرزت مؤسسات عمومية ناجحة وأخرى لم تحقق النتائج المرجوة، الأمر الذي يستوجب وقفة تقييمية موضوعية.
وأكد نواب المعارضة أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على توسيع لائحة المناصب العليا، بل يجب أن يشمل تقييم مدى احترام مبادئ تكافؤ الفرص والشفافية والاستحقاق والمساواة وعدم التمييز التي نص عليها القانون التنظيمي.
كما أثار المتدخلون إشكالية العلاقة بين السياسي والإداري، حيث دافعوا عن منح الوزير السياسي صلاحيات فعلية لتدبير قطاعه واختيار المسؤولين القادرين على تنفيذ برنامجه الحكومي، مع رفض تحويل الوزراء إلى مجرد واجهة إدارية في ظل استمرار نفوذ بعض المسؤولين الإداريين الذين ظلوا في مواقعهم لسنوات طويلة.
وفي السياق ذاته، انتقدت المعارضة ما وصفته بـ”المعايير الفضفاضة” المعتمدة في بعض التعيينات، معتبرة أنها تفتح المجال أمام التأويلات المختلفة، كما سجلت وجود حالات يتم فيها تعيين مسؤولين في مناصب لا تنسجم مع تخصصاتهم الأكاديمية أو المهنية، من قبيل تعيين مهندسين في مناصب مرتبطة بالموارد البشرية أو الشؤون القانونية، مقابل تهميش كفاءات متخصصة في هذه المجالات، معتبرين أن مبدأ “وضع الرجل المناسب في المكان المناسب” ما زال يواجه تحديات داخل عدد من الإدارات العمومية.
وبينما أجمع المتدخلون من الأغلبية والمعارضة على أهمية إصلاح منظومة التعيين في المناصب العليا، ظل الخلاف قائماً حول حدود السلطة التقديرية للوزير السياسي، وحول مدى نجاح التجربة الحالية في تحقيق التوازن بين الكفاءة الإدارية والمسؤولية السياسية.