الرحالة سحساح يروي لبلبريس عن رحلته من العيون إلى 36 دولة إفريقية

على بعد أيام قليلة من وصوله المرتقب إلى مدينة العيون، يطوي الرحالة المغربي يوسف سحساح صفحة استثنائية من حياته، بعد سنوات قضاها متنقلاً بين دول القارة الإفريقية على متن دراجته الهوائية، في رحلة حملت بين طياتها الكثير من التحديات والمواقف الإنسانية والدروس الحياتية.

ولم تكن هذه المغامرة مجرد رحلة عابرة أو تحدٍ رياضي لقطع المسافات، بل تحولت مع مرور السنوات إلى تجربة إنسانية عميقة، أتاحت لصاحبها فرصة اكتشاف إفريقيا من الداخل، والاقتراب من شعوبها وثقافاتها وعاداتها اليومية، بعيداً عن الصور النمطية التي غالباً ما تُختزل فيها القارة السمراء. فمن بين الطرق الوعرة والحدود الطويلة والمدن الصاخبة والقرى النائية، نسج سحساح قصة استثنائية عنوانها الشغف والإصرار وحب الاكتشاف.

وخلال هذه الرحلة، لم يكن يوسف سحساح يحمل معه فقط أمتعته الضرورية ودراجته الهوائية، بل حمل أيضاً اسم المغرب ومدينة العيون إلى عشرات الوجهات الإفريقية، حيث حرص على تقديم صورة عن بلده وقيمه وثقافته، وجعل من رحلته جسراً للتواصل الإنساني والثقافي بين الشعوب.

وبين لحظات الفرح والانبهار، وأوقات التعب والمخاطر، تمكن الرحالة المغربي من زيارة 36 دولة إفريقية، قاطعاً آلاف الكيلومترات عبر تضاريس متنوعة وظروف مناخية مختلفة، في تجربة شكلت اختباراً حقيقياً لقدرته على الصبر والتأقلم ومواجهة المجهول.

ومع اقتراب موعد العودة إلى نقطة الانطلاق، تبدو هذه الرحلة أشبه بحكاية مكتملة الفصول، بدأت بحلم راود شاباً من مدينة العيون، وانتهت بمغامرة استثنائية صنعتها سنوات من التحدي والإرادة واللقاءات الإنسانية التي لا تُنسى. فبين أول ضغطة على دواسة الدراجة ولحظة الوصول المنتظرة، تراكمت الذكريات والتجارب التي ستظل شاهدة على واحدة من أبرز الرحلات التي قام بها شاب مغربي عبر القارة الإفريقية.

وقبل أيام من إسدال الستار على هذه المغامرة الفريدة، فتح يوسف سحساح قلبه لـ”بلبريس”، مستعرضاً تفاصيل رحلته من لحظة الانطلاق من مدينة العيون إلى مشارف العودة إليها، ومتحدثاً عن الدوافع التي دفعته لخوض هذه التجربة، والصعوبات التي واجهها على الطريق، والمواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرته، إلى جانب الدروس التي خرج بها بعد سنوات من الترحال بين شعوب القارة السمراء.

وفي هذا الحوار، يروي سحساح حكاية حلم تحول إلى واقع، وتجربة صنعتها آلاف الكيلومترات وعشرات الحدود ومئات اللقاءات الإنسانية، كما يكشف عن مشاعره وهو يستعد للعودة إلى مدينته، وعن الرسائل التي يرغب في إيصالها إلى الشباب الذين يحملون أحلاماً كبيرة ويبحثون عن الشجاعة الكافية للانطلاق نحو تحقيقها.

وفي ما يلي نص الحوار:

كيف بدأت فكرة هذه الرحلة؟

فكرة الرحلة بدأت من حلم قديم راودني لاكتشاف إفريقيا عن قرب، بعيداً عن الصور النمطية السائدة. كنت أرغب في معايشة القارة بكل تفاصيلها، والتعرف على شعوبها وثقافاتها المختلفة من خلال تجربة ميدانية حقيقية.

ولماذا وقع اختيارك على مدينة العيون كنقطة انطلاق؟

العيون هي مدينتي ومكان انطلاقي في الحياة، لذلك كان من الطبيعي أن تبدأ المغامرة منها وأن تنتهي فيها أيضاً. كما أردت أن أوصل رسالة مفادها أن الأحلام الكبيرة لا ترتبط فقط بالمدن الكبرى، بل يمكن أن تنطلق من أي مكان إذا توفرت الإرادة والعزيمة.

ما الهدف الذي كنت تسعى إلى تحقيقه من خلال هذه المغامرة؟

كان الهدف تحقيق حلم شخصي بالدرجة الأولى، إلى جانب إبراز صورة جميلة عن إفريقيا، والعمل على إنجاز فيلم وثائقي يوثق هذه التجربة الإنسانية بما تحمله من قصص ومواقف وتجارب مختلفة.

كم دولة تمكنت من زيارتها خلال الرحلة؟

إلى حدود اليوم زرت 36 دولة إفريقية على متن الدراجة الهوائية.

ما أصعب التحديات التي واجهتك؟

التحدي الأكبر كان مرتبطاً بالحصول على التأشيرات. كانت هناك صعوبات في بعض المراحل، لكن بفضل الله ثم بفضل دعم السفارات المغربية، كانت الحلول تُوجد دائماً لمواصلة الطريق.

هل راودتك فكرة التوقف في أي مرحلة؟

بالتأكيد. كانت هناك فترات صعبة، خصوصاً بعد جائحة كورونا وما خلفته من تعقيدات على مستوى التنقل والسفر. لكن كلما فكرت في التوقف كنت أستحضر الهدف الذي انطلقت من أجله، فأجد الدافع للاستمرار.

وما أخطر موقف تعرضت له خلال الرحلة؟

من بين أخطر المواقف التي عشتها تناولي دواء منتهي الصلاحية أثناء وجودي في النيجر، كما تعرضت في إثيوبيا، تزامناً مع يوم عيد ميلادي، للتوقيف من طرف عناصر من الجيش وجهوا نحوي أسلحة كلاشنيكوف، وهي لحظة كانت صعبة للغاية ولا يمكن أن أنساها.

أي محطة تركت أثراً خاصاً في نفسك؟

كل دولة زرتها تركت أثراً مختلفاً، لكن أكثر ما يبقى في الذاكرة ليس الأماكن بقدر ما هم الأشخاص الذين التقيتهم. خرجت من المغرب ابن وطن، وعدت وأنا أعتبر إفريقيا كلها وطناً كبيراً يجمعنا.

كيف كان استقبال الناس لك في مختلف البلدان؟

في أغلب المحطات كان الاستقبال رائعاً. وجدت الكرم والتضامن والمساعدة في أماكن كثيرة، وهذا ما عزز لدي قناعة بأن الخير لا يزال موجوداً بين الناس مهما اختلفت الثقافات واللغات.

ماذا تعلمت من هذه التجربة على المستوى الإنساني؟

تعلمت أن الإنسان يشبه الإنسان أينما كان، وأن الاحترام والابتسامة قادران على فتح أبواب كثيرة مهما اختلفت الخلفيات والثقافات.

كيف كنت تمول هذه الرحلة الطويلة؟

اعتمدت بشكل أساسي على إمكانياتي الخاصة، مع الحرص على تدبير المصاريف بأقل التكاليف الممكنة، كما تلقيت أحياناً دعماً من أشخاص آمنوا بالمشروع وبالحلم.

ما الرسالة التي حملتها معك باسم المغرب والعيون؟

كنت أحمل رسالة بسيطة مفادها أن المغرب بلد كرم وتعايش وانفتاح، وحرصت على أن أكون سفيراً بسيطاً لمدينتي العيون ولوطني في مختلف البلدان التي زرتها.

كيف تصف شعورك وأنت تقترب من العودة؟

إنه شعور يصعب وصفه بالكلمات. مزيج من الفخر والحنين والامتنان لكل من دعمني وساندني طوال هذه السنوات.

كيف تتوقع لحظة وصولك إلى العيون؟

أتوقعها لحظة مؤثرة جداً، لأنها ستشكل نهاية مرحلة مهمة من حياتي وبداية مرحلة جديدة. أتمنى أن أتقاسمها مع كل من تابع هذه الرحلة وآمن بها منذ بدايتها.

وما مشاريعك بعد العودة؟

حالياً أركز على إنهاء الفيلم الوثائقي وإعداد معرض للصور يوثق مختلف محطات الرحلة، وبعد ذلك لكل حادث حديث، فما زالت هناك أحلام ومغامرات أخرى تنتظرني.

ما الرسالة التي توجهها للشباب؟

لا تنتظروا الظروف المثالية لأنها قد لا تأتي أبداً. ابدأوا بما تملكون، فخطوة صغيرة اليوم أفضل من ألف حلم مؤجل. الطريق يصنعه الذين يملكون الشجاعة للانطلاق والاستمرار.

ويختم الرحالة المغربي يوسف سحساح حديثه لـ”بلبريس” برسالة اختزلت سنوات الرحلة الطويلة في كلمات قليلة قائلاً: “تجرأ على الحلم… تجرأ على النضال..

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *