مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، بدأت ملامح منافسة سياسية محتدمة تتشكل بين مختلف الأحزاب الساعية إلى تعزيز مواقعها الانتخابية أو استعادة ما فقدته من نفوذ خلال الاستحقاقات السابقة. وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي شهدها المشهد الحزبي خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من إعادة ترتيب لموازين القوى داخل عدد من الجهات والأقاليم.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى عدد من المناطق التي قد تشهد تغيرات لافتة في الخريطة الانتخابية، وفي مقدمتها جهة الشرق التي كانت تعد أحد أبرز معاقل حزب الأصالة والمعاصرة.
غير أن المتغيرات السياسية والتنظيمية التي أعقبت توقيف عبد النبي بعيوي، أحد أبرز أعيان الحزب بالمنطقة، تطرح تساؤلات حول قدرة “البام” على الحفاظ على موقعه المتقدم في مواجهة صعود منافسين بارزين، يتقدمهم حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، اللذان يسعيان إلى استثمار الظرفية الحالية لتوسيع حضورهما وكسب مزيد من المقاعد في واحدة من أكثر الجهات حساسية على المستوى الانتخابي.
تكشف المعطيات الانتخابية الخاصة بجهة الشرق عن حجم التحدي الذي يواجهه حزب الأصالة والمعاصرة بعد سقوط أحد أبرز أعيانه الانتخابيين في المنطقة، عبد النبي بعيوي، في القضية المعروفة إعلاميا بـ”إسكوبار الصحراء”. فالأرقام الواردة في نتائج انتخابات الجهة تظهر أن الحزب كان يتصدر المشهد السياسي الجهوي بحصوله على 8 مقاعد من أصل 23، أي بنسبة تقارب 35 في المائة، متقدما على حزب التجمع الوطني للأحرار الذي نال 7 مقاعد، وحزب الاستقلال الذي حصل على 6 مقاعد، بينما اكتفى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمقعدين فقط.
![]()
هذه النتائج لم تكن تعكس فقط القوة التنظيمية لحزب الأصالة والمعاصرة، بل كانت ترتبط أيضا بالدور المحوري الذي لعبه عبد النبي بعيوي في هندسة التوازنات الانتخابية بالجهة. فقد راكم الرجل، خلال سنوات طويلة، شبكة واسعة من العلاقات السياسية والانتخابية جعلت منه أحد أبرز صناع النتائج الانتخابية في الشرق، سواء على مستوى الجماعات الترابية أو المؤسسات المنتخبة أو الاستحقاقات التشريعية والجهوية.
ومع غياب بعيوي عن المشهد بسبب متابعته في ملف ثقيل مرتبط بالاتجار الدولي في المخدرات، يبدو أن الحزب فقد أحد أهم أعمدته الانتخابية في المنطقة. فالأزمة لا تتعلق فقط بغياب شخصية نافذة، بل بفقدان آلة انتخابية كانت تضمن للحزب حضورا قويا وقدرة على استقطاب المنتخبين والأعيان المحليين، وهو ما يفسر حالة الترقب التي يعيشها “البام” في جهة الشرق مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
وتشير المؤشرات السياسية إلى أن الفراغ الذي خلفه بعيوي قد لا يبقى دون مستفيدين. فحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي جاء ثانيا بفارق مقعد واحد فقط عن الأصالة والمعاصرة، يبدو المرشح الأول لالتقاط جزء من القاعدة الانتخابية التي كانت تدور في فلك بعيوي، خاصة في ظل امتلاكه لإمكانيات تنظيمية وحضوره داخل الأغلبية الحكومية. كما أن الحزب يراهن منذ أشهر على تعزيز نفوذه في عدد من أقاليم الجهة واستقطاب وجوه انتخابية قادرة على تعويض التراجع المحتمل لمنافسه.
![]()
في المقابل، يبرز حزب الاستقلال كفاعل سياسي آخر مرشح للاستفادة من الوضع الجديد. فالحزب استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يعزز موقعه في الشرق وأن يحقق نتائج متقدمة جعلته يحتل المرتبة الثالثة بفارق مقعدين فقط عن المتصدر. كما أن الدينامية التي يقودها الحزب على المستوى التنظيمي تمنحه فرصة حقيقية لتوسيع حضوره واستقطاب جزء من المنتخبين الذين قد يبحثون عن مظلة سياسية جديدة في حال استمرار ارتباك الأصالة والمعاصرة.
وتكمن خطورة الوضع بالنسبة لـ”البام” في أن الانتخابات بالمجال الترابي للشرق ظلت، إلى حد بعيد، مرتبطة بمنطق الزعامات المحلية والأعيان أكثر من ارتباطها بالانتماءات الحزبية الصلبة. لذلك فإن غياب شخصية بحجم عبد النبي بعيوي قد يؤدي إلى إعادة رسم الخريطة الانتخابية برمتها، خصوصا إذا نجح منافسوه في استقطاب الشبكات الانتخابية التي كانت تشكل رافعة أساسية لتفوق الحزب.
ومن هذا المنطلق، تبدو جهة الشرق واحدة من أكثر المناطق المرشحة لتسجيل تحولات سياسية مهمة خلال الانتخابات المقبلة. فالحزب الذي كان يتصدر المشهد الجهوي بـ8 مقاعد ويشكل القوة الأولى داخل مجلس الجهة، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي للحفاظ على مكتسباته في غياب الرجل الذي كان يوصف بـ”دينامو الانتخابات” وعراب التوازنات الانتخابية بالمنطقة. وإذا لم يتمكن الأصالة والمعاصرة من إنتاج قيادة محلية جديدة قادرة على ملء هذا الفراغ، فإن جزءا مهما من رصيده الانتخابي قد يتجه نحو التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، ما قد يفضي إلى نهاية مرحلة من الهيمنة السياسية وبداية مرحلة جديدة من إعادة توزيع موازين القوى في الشرق.