رغم التقدم المسجل في عدد من الأوراش الاستراتيجية الكبرى، كشف تقرير تقييمي حول خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي الجديد أن المغرب ما زال يواجه تحديات بنيوية عميقة تحول دون تحقيق التحول الاقتصادي والاجتماعي المنشود، وفي مقدمتها أزمة التشغيل، وضعف جودة الخدمات العمومية، واستمرار مظاهر الريع والاحتكار.
وأوضح التقرير، الصادر عن المركز الاستشرافي الاقتصادي والاجتماعي، أن الرؤية التنموية الجديدة انطلقت من تشخيص اختلالات النموذج السابق، واضعة أهدافاً طموحة ترتكز على تحقيق نمو اقتصادي يفوق 6 في المائة سنوياً، وتعزيز مساهمة المقاولة الوطنية، وتحسين الرأسمال البشري، إلى جانب بناء دولة اجتماعية أكثر عدالة وإنصافاً.
وسجل التقرير أن المملكة حققت مكاسب مهمة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجال الحماية الاجتماعية، حيث تجاوز عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض 32 مليون شخص سنة 2025، فيما استفاد ملايين المواطنين من برامج الدعم الاجتماعي المباشر والتغطية الصحية المخصصة للفئات الهشة.
كما أبرزت الوثيقة الدينامية الاستثمارية التي شهدتها البلاد، مدعومة بارتفاع حجم الاستثمار العمومي وتفعيل الميثاق الجديد للاستثمار، وهو ما ساهم في المصادقة على مئات المشاريع الاستثمارية الكبرى واستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، مع توقع إحداث آلاف مناصب الشغل خلال السنوات المقبلة.
وفي قطاعي الصحة والتعليم، رصد التقرير تقدماً في عدد من الإصلاحات المرتبطة بالحكامة وتوسيع الخدمات، إلى جانب توسيع التعليم الأولي وتعزيز رقمنة الإدارة العمومية. كما سجل تطوراً في مشاريع الأمن المائي والطاقات المتجددة، ما عزز موقع المغرب في المؤشرات الدولية المرتبطة بالعمل المناخي.
غير أن التقرير اعتبر أن هذه المكتسبات لم تنعكس بالشكل الكافي على الواقع المعيشي للمواطنين، بسبب استمرار ضعف وتيرة النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، حيث تجاوز عدد العاطلين 1.6 مليون شخص خلال سنة 2025، مع استمرار هشاشة سوق الشغل وضعف القطاعات المنتجة للقيمة المضافة.
وأشار التقييم إلى أن قطاع التعليم ما زال يواجه تحديات كبيرة تتجلى في تدني مستويات التحصيل الدراسي وارتفاع معدلات الهدر المدرسي، بينما تعاني المنظومة الصحية من خصاص في الموارد البشرية واستمرار هجرة الأطباء نحو الخارج، رغم توسيع التغطية الصحية.
كما سلط التقرير الضوء على استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية، حيث تتركز أغلب الثروة الوطنية في عدد محدود من الجهات، بينما تظل معدلات الفقر والهشاشة مرتفعة في العديد من المناطق القروية، إلى جانب استمرار نسب الأمية وضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي.
وفي الجانب المؤسساتي، سجلت الوثيقة تراجع أدوار الوساطة السياسية والاجتماعية، مقابل تنامي الشعور بعدم الثقة لدى فئات واسعة من المواطنين، خاصة الشباب، وهو ما انعكس في تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وتراجع الانخراط في العمل الحزبي.
وأكد التقرير أن الريع والاحتكار ما زالا يشكلان من أبرز العوائق أمام تحقيق العدالة الاقتصادية، مشيراً إلى استمرار ممارسات تحد من المنافسة في بعض القطاعات، إضافة إلى الانتقادات التي رافقت بعض برامج الدعم العمومي التي لم تحقق الأثر المنتظر على الأسعار والقدرة الشرائية.
وختم التقرير بالتنبيه إلى أن الاقتصاد غير المهيكل والفساد يواصلان استنزاف إمكانات التنمية، في ظل تراجع معدل النشاط الاقتصادي وضعف تعبئة الرأسمال البشري، مع استمرار أعداد كبيرة من الشباب خارج منظومات التعليم والتكوين والشغل، ما يفرض تسريع الإصلاحات الهيكلية لضمان بلوغ أهداف النموذج التنموي في أفق سنة 2035.