بلقاضي: خطاب 31 أكتوبر غيّر تدبير ملف الصحراء

أكد أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق أكدال، ميلود بلقاضي، أن النقاش الدائر حاليا حول مبادرة الحكم الذاتي في ملف الصحراء المغربية يطغى عليه كثير من التأويلات والقراءات غير المؤسسة على معطيات رسمية، مشددا على ضرورة التمييز بين “المبادرة” و”المشروع” باعتبارهما مفهومين مختلفين في القانون الدولي، ومبرزا أن التوصيف الرسمي المعتمد منذ الخطابات الملكية والوثائق المؤطرة للملف يتحدث بوضوح عن “مبادرة الحكم الذاتي” وليس عن مشروع جاهز أو نهائي.

وأوضح بلقاضي، خلال مداخلة في ندوة وطنية حول الحكم الذاتي في الصحراء المغربية الأسس النظرية وآليات التطبيق “مقاربات أكاديمية”، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ــ أكدال، تناولت تطورات قضية الصحراء بعد القرار الأممي 2797، أن المرحلة الحالية تقتضي التعامل بحذر مع كل ما يروج بشأن الصيغة المنتظرة للمبادرة، لأن الوثائق الرسمية لم تصدر بعد، معتبرا أن ما يتم تداوله لا يعدو أن يكون اجتهادات أو قراءات سياسية وإعلامية تفتقر إلى الأساس العلمي الدقيق. وأضاف أن أي تحليل جاد ينبغي أن ينطلق من الوثائق المرجعية المعتمدة ومن القرارات الأممية والخطابات الرسمية المؤطرة للموقف المغربي.

وأشار المتحدث إلى أن اختيار توقيت تنظيم هذا النقاش لم يكن اعتباطيا، بل جاء قبيل طرح مبادرة الحكم الذاتي داخل مجلس الأمن الدولي خلال الفترة المقبلة، موضحا أن الصيغة النهائية للمبادرة لن يضعها باحثون مغاربة فقط، بل ستخضع كذلك لمساهمة خبراء دوليين، انطلاقا من مرجعيتين أساسيتين؛ الأولى مرتبطة بالأمم المتحدة وتطورات تدبير الملف داخل المنظمة الأممية، والثانية تستند إلى المقترحات التي قدمها المغرب منذ سنة 2006، والتي شكلت أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007.

وسجل أن الجميع يترقب الشكل النهائي للمبادرة المنتظرة، التي يرجح أن تشكل أرضية أساسية لأي قرار نهائي مستقبلي بشأن النزاع، غير أنه شدد على أن الحديث عن الحكم الذاتي يظل ناقصا دون حسم عدد من القضايا المرتبطة بالسياق الأممي، وعلى رأسها مستقبل البعثة الأممية “المينورسو”، معتبرا أن استمرار وجودها يطرح تساؤلات مرتبطة بمفهوم السيادة كما ورد في عدد من القرارات الأممية الأخيرة.

وفي قراءته للمشهد الدولي، أوضح بلقاضي أن الأمم المتحدة تتجه تدريجيا نحو تقليص عدد بعثات حفظ السلام، وهو ما يفتح الباب أمام تحولات محتملة في تدبير الملف، مضيفا أن إخراج القضية من منطق تدبير البعثات الأممية يظل من القضايا الجوهرية التي ينبغي الانتباه إليها خلال المرحلة المقبلة.

ودعا الباحثين والمهتمين إلى التمييز بين المبادئ العامة المرتبطة بالحكم الذاتي وبين تفاصيل تنزيله العملي، معتبرا أن النقاش الأكاديمي الحقيقي يجب أن يركز على آليات التطبيق، والكلفة الزمنية والسياسية، والالتزامات القانونية المرتبطة بالمبادرة، بدل الاكتفاء بالشعارات أو القراءات العامة.

وشدد بلقاضي على أن الخطابات الملكية تشكل المرجعية الأساسية لفهم التحولات التي عرفها تدبير المغرب لقضية الصحراء، مبرزا أن خطاب 31 أكتوبر شكل محطة فاصلة في السياسة الخارجية المغربية، وأن هناك ما قبل هذا الخطاب وما بعده، بالنظر إلى التحولات التي عرفها التعاطي المغربي مع الملف على المستوى الدبلوماسي والسيادي.

وأضاف أن السيادة المغربية أصبحت اليوم محور النقاش الدولي المرتبط بالقضية، معتبرا أن المغرب انتقل من منطق الدفاع التقليدي عن الوحدة الترابية إلى مقاربة أكثر تقدما ترتكز على تثبيت السيادة وتوسيع الاعتراف الدولي بها، في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

وفي حديثه عن القرار الأممي الأخير، انتقد بلقاضي بعض القراءات التي وصفها بالمغلوطة، خاصة ما يتعلق بمفهوم “الأطراف” الوارد في القرار، موضحا أن النص الأممي تحدث بشكل مباشر عن المغرب والجزائر باعتبارهما الطرفين الأساسيين في النزاع، وهو ما اعتبره تحولا دالا في طريقة مقاربة الأمم المتحدة للملف، بالنظر إلى أن القرارات السابقة كانت غالبا ما تضع المغرب في مواجهة جبهة البوليساريو.

واعتبر المتحدث أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في نقل الملف إلى منطقة أكثر وضوحا من الناحية القانونية والسياسية، مستشهدا بطريقة تعاطيه مع بعض التحركات التي وصفها بالاستفزازية، مؤكدا أن الرباط تعاملت معها بذكاء دبلوماسي، ما جعل المجتمع الدولي يتحمل بدوره مسؤولية التنديد بكل ما من شأنه خرق القرارات الأممية أو المساس بالاستقرار الإقليمي.

وختم بلقاضي مداخلته بالتأكيد على أن أي نقاش علمي رصين حول مبادرة الحكم الذاتي يجب أن ينطلق من المرجعيات الرسمية ومن تطورات القانون الدولي، بعيدا عن القراءات الانفعالية أو التقديرات غير المؤسسة، معتبرا أن المرحلة المقبلة تفرض على الباحثين التركيز على المستقبل وعلى كيفية تنزيل المبادرة ضمن رؤية تحافظ على السيادة المغربية وتنسجم مع التحولات الدولية الراهنة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *