في تشخيص صريح لوضع الصحة النفسية بالمغرب، اعتبر نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أن هذا المجال يواجه أزمة مركبة تمتد إلى الإطار القانوني وضعف الموارد المالية وغياب الوعي المجتمعي، فضلا عن اختلالات واضحة في العدالة المجالية، مؤكدا أن هذه التحديات تفرض مراجعة عميقة للنموذج المعتمد في التعاطي مع الاضطرابات النفسية.
![]()
وجاءت مداخلة بركة خلال ندوة وطنية احتضنتها الرباط، خُصصت لموضوع التحول المطلوب في مقاربة الصحة النفسية من نموذج إيوائي تقليدي إلى سياسة مجتمعية مندمجة، حيث شدد على أن الهدف لم يعد يقتصر على تشخيص الأعطاب، بل يتجاوز ذلك نحو إطلاق مسار إصلاحي جريء يعيد ترتيب الأولويات ويضع الإنسان في صلب السياسات العمومية.
وأورد المسؤول الحزبي معطيات مقلقة تفيد بأن ما يقارب نصف المغاربة البالغين 15 سنة فما فوق سبق أن عانوا اضطرابا نفسيا واحدا على الأقل خلال حياتهم، فيما تتجاوز نسبة الاكتئاب ربع هذه الفئة، مع تسجيل آلاف حالات الانتحار سنويا، مبرزا أن الأرقام الرسمية لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة بسبب تصنيف عدد من الحالات ضمن حوادث عرضية. غير أن بركة نبه إلى أن هذه المؤشرات تستند إلى بحث وطني يعود إلى سنة 2006، ما يجعلها غير كافية لبناء سياسات عمومية دقيقة، في ظل غياب معطيات محينة تأخذ بعين الاعتبار تداعيات جائحة كوفيد وتأثيرات الفضاء الرقمي على الصحة النفسية، خاصة لدى الشباب.
![]()
ودعا في هذا السياق إلى إطلاق دراسة وطنية جديدة تستجيب للتحولات الاجتماعية الراهنة، وتوفر قاعدة بيانات حديثة لفهم تنامي القلق والهشاشة النفسية، إلى جانب بروز أشكال جديدة من العنف المرتبط بالوسائط الرقمية.
وفي معرض حديثه عن الإصلاحات الضرورية، أبرز بركة الحاجة إلى إحداث قطيعة أولى على المستوى القانوني، من خلال رفع الغموض الذي يحيط بمهن علم النفس، ومراجعة الإطار التشريعي المنظم للصحة النفسية وفق مقاربة تشاركية تشمل مختلف الفاعلين، بما يضمن حماية حقوق المرضى وتوفير بدائل مؤسساتية للأشخاص الذين يُصرح بعدم مسؤوليتهم الجنائية، بدل إيداعهم في السجون في غياب بنية استقبال ملائمة.
![]()
أما القطيعة الثانية، فتتعلق، بحسب المتحدث، بإعادة توجيه الاستثمار نحو الموارد البشرية، في ظل خصاص حاد في الأطر الطبية، حيث لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين بضع مئات بالنسبة لملايين السكان، مع غياب تام للتخصص في عدد من الجهات، مقابل طاقة استيعابية محدودة للمؤسسات الاستشفائية التي تعمل فوق طاقتها بكثير.
ويرى بركة أن القطيعة الثالثة ينبغي أن تنطلق من فضاءات القرب، وعلى رأسها المدرسة والحي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للوقاية والمواكبة المبكرة، مستحضرا نتائج دراسات ميدانية كشفت عن تصاعد مقلق لمؤشرات التفكير في الانتحار ومحاولاته لدى فئة المراهقين، مع تسجيل نسب أعلى في صفوف الفتيات، ما يستدعي تعميم خدمات الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية وتعزيز الرعاية القريبة من المواطنين.
![]()
وفي سياق متصل، شدد على أهمية كسر الصمت المجتمعي المرتبط بالأمراض النفسية، ومحاربة الوصم الذي لا يزال يثقل كاهل المرضى ويؤخر لجوءهم إلى العلاج، مبرزا أن تغيير التمثلات السائدة يوازي في أهميته توسيع العرض الصحي، من خلال اعتماد خطاب حديث يركز على مفاهيم القلق والضغط النفسي والرفاه، وإطلاق حملات توعوية شاملة تعبئ مختلف الفاعلين، من إعلام ومؤسسات تربوية ودينية ومدنية.
وعلى مستوى التمويل، اعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال أن الميزانية المخصصة للصحة النفسية تظل دون مستوى التحديات، داعيا إلى رفعها بشكل ملموس، وإدماج هذا المجال ضمن منظومة التغطية الصحية، مع تطوير شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص للحد من الفوارق الترابية.
وختم بركة بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء نموذج تنموي لا يُقصي المرضى النفسيين ولا يترك الأفراد يواجهون معاناتهم في عزلة، محذرا من أن أي مشروع تنموي يظل مهددا بالفشل إذا لم يُواكب بضمان التوازن النفسي للمجتمع وصون كرامة أفراده.