في مشهد غير مسبوق، افتتح وزير العدل عبد اللطيف وهبي كلمته أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب اليوم الأربعاء، بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، وذلك بمناسبة تقديمه مشروع قانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة إلى الحساسية البالغة التي يكتسيها هذا النص التشريعي والتحديات الكبيرة التي واكبت إعداده.
واستهل الوزير مداخلته بالٱية القرٱنية: “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”، ليؤكد بذلك أن الإصلاح الذي تحمله الوزارة لم يكن يسيرا، وأن الطريق نحو تطوير مهنة المحاماة كان محفوفا بالضغوط والانتقادات، قبل أن يعلن عن مشروع يصفه بـ”الطفرة النوعية غير المسبوقة” في المشهد القضائي الوطني.
ويأتي مشروع القانون رقم 66.23 بعد سبعة عشر عاما على دخول القانون رقم 28.08 حيز التنفيذ، حيث رأت وزارة العدل أن الوقت قد حان لإجراء مراجعة شاملة تلامس مختلف جوانب المهنة، من شروط الولوج والتكوين، إلى أشكال الممارسة، وحصانة الدفاع، والمسطرة التأديبية، والتنظيم المؤسساتي.
وفي ما يعد أهم تحول في المشروع، أعلن الوزير عن اعتماد نظام المباراة بدلا من نظام الامتحان للولوج إلى المهنة، بهدف التحكم في أعداد الوافدين واستقطاب أجود الكفاءات.
كما تم التنصيص على تكوين أساسي لمدة سنة بمعهد التكوين، يليه تمرين لمدة أربعة وعشرين شهرا، أربعة منها في إدارات عمومية أو مؤسسات عمومية أو مقاولات، في خطوة تهدف إلى فتح آفاق المحامين الجدد وتدريبهم على واقع الممارسة خارج المكاتب الخاصة.
أما على مستوى الممارسة، فقد فتح المشروع الباب أمام أشكال جديدة من التنظيم المهني، تشمل عقود المشاركة والشراكة والمساكنة، كما أتاح لأول مرة إمكانية إبرام عقود تعاون بين محامين مغاربة ونظرائهم الأجانب، وذلك في إطار تشجيع الاستثمار الخارجي.
كما تم وضع ضوابط لمزاولة المحامين الأجانب، مع إمكانية استثنائية لوزير العدل للإذن لمكاتب محاماة أجنبية من دول لا تربطها اتفاقيات مع المغرب، شريطة ارتباطها بمشاريع استثمارية أو صفقات بالمملكة.
وفي تعزيز لحصانة الدفاع، نص المشروع على أنه في حالة اعتقال محام مرتبط بممارسته للمهنة، يجب إشعار نقيب الهيئة فورا، وعدم الاستماع إلى المحامي إلا بحضور النقيب أو من يندبه. كما ألزم المشروع المحامين بارتداء البذلة المهنية أمام الهيئات القضائية، ومنع تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات.
أما على المستوى التأديبي، فجاء المشروع بضمانات جديدة، منها إلزام النقيب باتخاذ قرار معلل في الشكايات ضد المحامين داخل أجل شهر، وتخويل الوكيل العام للملك حق المنازعة في قرارات الحفظ، مع إمكانية الطعن في القرارات التأديبية أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف.
ومن بين المستجدات ذات البعد الحقوقي والمؤسساتي، التنصيص لأول مرة على تمثيلية النساء المحاميات في مجالس هيئات المحامين، وحصر مدة ولاية النقيب في ولاية واحدة غير قابلة للتجديد، والرفع من عتبة إحداث هيئة جديدة إلى 500 محام على الأقل.
واختتم الوزير كلمته بالدعاء بأن يوفق الجميع للإصلاح المنشود تحت القيادة الحكيمة للملك محمد السادس، مثمنا جهود أعضاء اللجنة في دراسة هذا النص التشريعي، الذي ينتظر أن يحدث نقلة نوعية في قطاع العدالة، ويجعل من مهنة المحاماة ركيزة أقوى لحق الدفاع ودولة القانون.