رد المغرب على الاستفزازات الليبية جاء سريعا وحاسما، من خلال الغياب اللافت عن حفل افتتاح المقر الدائم لتجمع دول الساحل والصحراء في طرابلس، في خطوة اعتبرتها أوساط دبلوماسية مقاطعة صريحة تعبر عن رفض المملكة لأي مساس بوحدتها الترابية.
هذا الموقف لم يأت من فراغ، بل جاء ردا مباشرا على واقعة سابقة تم خلالها عرض خريطة المغرب مبتورة عن صحرائه في مؤتمر قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط الذي احتضنته العاصمة الليبية بحضور عبد الحميد الدبيبة وممثلين عن الجزائر وتونس، وهو ما وضع الرباط أمام اختبار دبلوماسي لم تتردد في الرد عليه بثبات.
![]()
الملاحظ أن المشهد الليبي المعقد يختزن العديد من الحسابات الدقيقة، فما حدث من تشويه للخريطة المغربية، سواء كان مقصودا أو ناتجا عن إهمال، يحمل في طياته رسائل سياسية متعددة الأوجه، فليبيا التي تبحث عن شرعيتها عبر استضافة الفعاليات الإقليمية، تجد نفسها اليوم مطالبة بمراجعة حساباتها، خاصة أنها استضافت مؤتمرا جمع دولا بينها خلافات عميقة، مما يجعل أي خطأ بروتوكولي من هذا النوع مكشوفا وغير قابل للتبرير، خصوصا حين يتعلق الأمر بالصحراء المغربية التي تعتبرها الرباط خطا أحمر لا يمكن تجاوزه.
ولا يمكن للمراقب أن يتجاهل التساؤل المحوري حول الدور الجزائري في هذا التحرك، فالجزائر التي تربطها علاقات وثيقة بأطراف ليبية نافذة، والمنفتحة على خيارات عدة في الملف الليبي، قد تكون وجدت في هذه البادرة فرصة لإرسال رسالة غير مباشرة إلى الرباط عبر حكومة الدبيبة التي تخضع لضغوط إقليمية متعددة.
لكن التصعيد عبر الخرائط يظل سلاحا خطيرا، إذ قد يكلف رئيس حكومة الوحدة الوطنية غاليا، خاصة أن المغرب كان سباقا لدعم الاستقرار الليبي من خلال مشاورات الصخيرات التي أسهمت في إنشاء المجلس الأعلى للدولة.
وسواء كان القرار مدبرا أو مجرد خطأ فردي، فإن حكومة الدبيبة أظهرت استهتارا دبلوماسيا غير مقبول تجاه دولة قدمت الكثير لليبيا، خاصة المغرب الذي يضع ملف وحدته الترابية فوق كل اعتبار، لن يمرر هذه الإهانة مرور الكرام، ومن المنتظر أن تطلب الرباط توضيحات رسمية، لأن المساس بالخريطة ليس مجرد هفوة شكلية، بل هو اعتداء صارخ على ثوابت وطنية لا مساومة عليها ولا تفريط فيها.