بعيداً عن الصورة النمطية المرتبطة بتلوث السواحل، تكشف الأرقام الحديثة عن تحول لافت في جودة مياه الاستحمام بالشواطئ المغربية، حيث أصبحت الغالبية الساحقة منها تستجيب للمعايير الصحية، في مؤشر إيجابي على تحسن المراقبة والتدبير البيئي. غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، لا يخفي استمرار اختلالات بنيوية تفرض الحذر بدل الاطمئنان.
فحسب تقرير وطني قُدم في الرباط، بلغت نسبة مطابقة مياه الاستحمام للمعايير الميكروبيولوجية 95 في المائة خلال سنة 2025، بارتفاع ملحوظ مقارنة بسنة 2021. ويعكس هذا التطور توسعاً كبيراً في نطاق المراقبة، بعدما شمل التقييم 204 شواطئ و498 محطة رصد، مقابل عدد محدود لم يكن يتجاوز 79 شاطئاً قبل عقدين.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن حوالي 4.72 في المائة من المحطات لا تزال خارج المعايير، وهو ما يكشف أن جزءاً من السواحل لم يلتحق بعد بركب التحسن. هذه الفجوة تعيد إلى الواجهة إشكالات معروفة، من بينها ضعف شبكات الصرف الصحي، واستمرار تصريف المياه العادمة بشكل عشوائي، إلى جانب الحاجة لتطوير البنيات التحتية وتعزيز الوعي البيئي لدى المواطنين.
في المقابل، يسجل ملف النفايات البحرية تحسناً نسبياً، إذ أظهرت عمليات الرصد التي شملت 64 شاطئاً تراجعاً في كمية النفايات بأكثر من 25 في المائة مقارنة بالسنوات الماضية. غير أن هذا التراجع لا يلغي خطورة المعطيات المرتبطة بطبيعة هذه النفايات، حيث لا يزال البلاستيك يهيمن بشكل كاسح، ما يعكس عمق المشكلة أكثر مما يعكس حلها.
وفي هذا السياق، أكدت ليلى بنعلي أن هذه النتائج تأتي في إطار الاستعداد لموسم الاصطياف، معتمدة على أدوات علمية متقدمة لرصد النظم البيئية الساحلية. لكنها في المقابل حذرت من استمرار التحديات، خاصة وأن الجزء الأكبر من التلوث البحري مصدره اليابسة، وهو ما يضع مسؤولية المعالجة خارج الشواطئ نفسها.
كما سلطت الضوء على أهمية المبادرات البيئية، مثل برنامج مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، التي تقود مشاريع كـ“شواطئ نظيفة” و”اللواء الأزرق”، في محاولة لتعزيز ثقافة الاستدامة وتحسين جودة الفضاءات الساحلية.
ورغم اعتماد المغرب على معايير دقيقة في تصنيف جودة المياه، وفق المعيار الوطني “NM 03.7.199”، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في القياس فقط، بل في القدرة على معالجة مكامن الخلل بشكل جذري. فالأرقام، مهما بدت مطمئنة، تظل ناقوس تنبيه بأن المعركة البيئية لم تُحسم بعد، وأن الحفاظ على هذا التقدم يتطلب يقظة مستمرة، لا مجرد تقارير موسمية.