أنهى وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس زيارته إلى الجزائر بإعلان وصفته مدريد بالإيجابي، عقب مباحثاته مع الرئيس عبد المجيد تبون، حيث جرى التأكيد على إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين البلدين، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في طي صفحة توتر دبلوماسي غير مسبوق.
هذه المعاهدة، التي تعود إلى سنة 2002 ووقّعت خلال زيارة رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه ماريا أثنار، كانت الجزائر قد جمدتها بشكل أحادي في يونيو 2022، كرد فعل انفعالي على دعم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء تحت السيادة المغربية، وهو الموقف الذي شكل تحولا نوعيا في السياسة الإسبانية، قائمًا على الواقعية السياسية وتغليب الحلول العملية.
غير أن ما تكشفه عودة الجزائر اليوم إلى تفعيل هذه المعاهدة، هو حجم الارتباك الذي طبع سياستها الخارجية خلال السنوات الأخيرة، حيث لجأ النظام الجزائري إلى منطق التصعيد وافتعال الأزمات مع شركائه، في محاولة لتصدير أزماته الداخلية وتوجيه الأنظار بعيداً عن تحدياته الاقتصادية والاجتماعية. فبدل الانخراط في منطق التعاون الإقليمي، اختار نهج المواجهة الدبلوماسية، مستهدفاً المغرب بشكل ممنهج عبر حملات سياسية وإعلامية لم تحقق سوى مزيد من العزلة.
وفي هذا السياق، يبرز أن ملف الصحراء المغربية لم يعد ورقة ضغط فعالة كما كان يروج له، بعدما حُسم بشكل متزايد لصالح المغرب، وفق معادلة واضحة: الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه. وقد عززت إسبانيا هذا التوجه بدعمها الصريح للمبادرة المغربية، ما يجعل أي محاولات جزائرية لإعادة طرح الملف خارج هذا الإطار مجرد تحركات معزولة تفتقر للجدوى السياسية.
كما أن تجنب ألباريس الخوض في هذا الملف خلال تصريحاته لا يعكس حياداً بقدر ما يعكس إدراكاً إسبانياً لحساسية المرحلة، مع الحفاظ على ثبات الموقف الاستراتيجي الداعم للمغرب. وهو ما يضع النظام الجزائري أمام واقع دبلوماسي جديد، عنوانه تراجع تأثيره في هذا الملف، مقابل تنامي الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء.
وبينما تحاول الجزائر اليوم إعادة ترميم علاقاتها مع مدريد عبر بوابة المصالح الاقتصادية، خاصة في مجال الطاقة، فإن هذا التحرك يكشف تناقضاً واضحاً في سلوكها الدبلوماسي: تصعيد سياسي من جهة، وسعي إلى الشراكة من جهة أخرى. وهو ما يعكس غياب رؤية استراتيجية متماسكة، وارتهان القرار الخارجي لمنطق ردود الفعل بدل الفعل الدبلوماسي الرصين.
وتبدو المناورات الجزائرية أقرب إلى محاولات يائسة لإحياء أطروحات متجاوزة، في وقت باتت فيه التوازنات الدولية والإقليمية تميل بوضوح لصالح الطرح المغربي، ما يجعل أي تصعيد جديد مجرد حلقة إضافية في مسلسل تصدير الأزمات، دون تأثير حقيقي على مسار قضية حُسمت ملامحها الكبرى سياسياً ودبلوماسياً.