يتعزز حضور المغرب على الساحة الدولية باعتباره فاعلا استراتيجيا في إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية، مستندا إلى موقعه الجغرافي وقدرته على تحقيق الاستقرار في منطقة تتزايد فيها التوترات. ويرى تقرير نشرته صحيفة Atalayar الإسبانية أن المملكة استطاعت تحويل جغرافيتها الاقتصادية إلى ورقة جيوسياسية مؤثرة، جعلتها شريكا أساسيا للغرب في تأمين سلاسل الإمداد والصناعات الاستراتيجية.
واستند التقرير، الذي اعتمد على تحليل صادر عن المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية، إلى أن المغرب بات يمثل نموذجا متقدما لاستراتيجية Friendshoring، التي تقوم على نقل سلاسل التوريد الحساسة إلى دول تتمتع بالاستقرار السياسي والقرب الجغرافي. ويجعل هذا التوجه من الرباط شريكا موثوقا في مواجهة اضطرابات الاقتصاد العالمي دون التخلي عن مزايا العولمة.
ويبرز التقرير كذلك أهمية البنية التحتية المينائية المغربية، خاصة مع تطوير مشاريع استراتيجية مثل ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب موانئ محورية أخرى مثل ميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي. ويشكل هذا “القوس اللوجستي” بديلا آمنا للممرات البحرية التقليدية التي تعرف توترات أمنية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما يضمن استمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
كما يشير التقرير إلى أن قوة المغرب الدبلوماسية تقوم على توازن دقيق في علاقاته الدولية، حيث يجمع بين شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة بصفته حليفا رئيسيا خارج حلف حلف شمال الأطلسي، وعلاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب انخراطه في مبادرات لتعزيز التكامل الاقتصادي مع القارة الأفريقية، من بينها المبادرة الأطلسية. هذا التوازن يمنح الرباط هامشا واسعا للتواصل مع قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا.
وفي الجانب الصناعي، لفت التقرير إلى الدينامية التي يعرفها قطاع الطيران بالمغرب، مستشهدا باستثمار جديد لشركة Safran في منطقة النواصر قرب الدار البيضاء، حيث افتتحت وحدة لإنتاج أنظمة هبوط الطائرات باستثمار يتجاوز 280 مليون يورو، ويعتمد بالكامل على الطاقة النظيفة. ويعزز هذا المشروع موقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية في صناعة الطيران، معتمدا على كفاءات محلية مؤهلة.
ويخلص التقرير إلى أن المغرب أصبح يشكل اليوم ما يشبه “قوسا استراتيجيا للصمود” عند تقاطع أوروبا وأفريقيا والأطلسي، إذ لا يكتفي بتعزيز أمنه الاقتصادي، بل يساهم أيضا في دعم استقرار التجارة الدولية وإعادة رسم موازين النفوذ الاقتصادي في فضاء المتوسط والأطلسي.