كشف التقرير السنوي لــمنتدى أنوال للديمقراطية والمواطنة حول وضعية حقوق الإنسان بجهة الشرق خلال سنة 2025 عن استمرار عدد من الاختلالات التي تؤثر على ولوج الساكنة إلى الخدمات الصحية، في ظل نقص الموارد البشرية والتجهيزات الطبية وتفاوت توزيع البنيات الصحية بين أقاليم الجهة.
وسجل التقرير، الذي اطلعت”بلبريس” على مضامينه، أن من أبرز الإكراهات التي تعيق استفادة المواطنين من الحق في العلاج وجود خصاص مزمن في الأطر الصحية، سواء الأطباء العامين أو المتخصصين، إضافة إلى هيئة التمريض وتقنيي الصحة.
كما رصد محدودية التجهيزات الطبية وضعف البنيات التحتية والطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية، إلى جانب مغادرة عدد من الأطباء المتخصصين للقطاع العام.
وأبرز المصدر ذاته وجود تفاوت واضح في توزيع المؤسسات الصحية والأطر الطبية داخل الجهة، حيث يضطر سكان بعض المناطق إلى التنقل لمسافات طويلة قد تتجاوز 300 كيلومتر من أجل الاستفادة من خدمات طبية متخصصة، خصوصا بالنسبة لساكنة إقليمي فكيك والدريوش.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن آجال الحصول على مواعيد لدى بعض الأطباء المتخصصين قد تصل إلى ستة أشهر في بعض الحالات عبر المنصة الرقمية الخاصة بحجز المواعيد، كما هو الحال في تخصصي طب العيون وأمراض القلب والشرايين بالمستشفى الإقليمي بالدريوش.
كما تم تسجيل انقطاع متكرر لبعض الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة ولقاحات الأطفال بعدد من المراكز الصحية لفترات تمتد لعدة أشهر.
وبخصوص المؤشرات الصحية، سجل التقرير ارتفاع معدل وفيات الأمهات ليبلغ 34.4 حالة لكل 100 ألف ولادة حية سنة 2025، مقابل 33.5 سنة 2021، مع استمرار ضعف مؤشرات جودة الخدمات الصحية، خاصة داخل القطاع العام الذي تعتمد عليه الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة.
واستنادا إلى الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لسنة 2025، تتوفر جهة الشرق على 12 مستشفى عموميا، من بينها المستشفى الجامعي بوجدة، إضافة إلى 206 مؤسسات للعلاجات الأولية.
كما يبلغ عدد الأطباء العاملين بالجهة 3.822 طبيبا، من بينهم 1.473 طبيبا في القطاع العام و2.349 في القطاع الخاص، ما يجعل الكثافة الطبية في حدود 10 أطباء فقط لكل 10 آلاف نسمة، وهو معدل اعتبره التقرير محدودا مقارنة بحاجيات السكان.
وأشار التقرير كذلك إلى أن الحكومة أطلقت خلال السنوات الأخيرة إصلاحات في تدبير المنظومة الصحية، من بينها إحداث مجموعات صحية جهوية تشرف على تدبير القطاع على مستوى الجهات.
غير أن المنتدى اعتبر أن هذه الإجراءات لم تحقق، إلى حدود سنة 2025، تحسنا ملموسا في جودة الخدمات الصحية أو في تقريبها من ساكنة مختلف أقاليم جهة الشرق.
كما لفت التقرير إلى أن هذه الإصلاحات لم تحظ بإجماع داخل القطاع، إذ شهدت مدينة وجدة خلال سنة 2025 تنظيم النقابات الصحية لأكثر من ثمانية أشكال احتجاجية جهوية، للمطالبة بالحفاظ على صفة الموظف العمومي للعاملين بالمؤسسات الصحية، وتحسين ظروف العمل، إلى جانب توفير التجهيزات الطبية وشبه الطبية داخل المرافق الصحية.
وفي ختام التقرير، قدم منتدى أنوال للديمقراطية والمواطنة مجموعة من التوصيات الرامية إلى تحسين الولوج إلى الحق في الصحة بجهة الشرق، من بينها تعزيز الموارد البشرية الطبية والتمريضية والتقنية داخل المستشفيات، واعتماد معايير موضوعية في توزيع الأطر الصحية بين الأقاليم وفق الكثافة السكانية.
كما دعا المنتدى إلى سد الخصاص المسجل في الأطباء وهيئة التمريض وتقنيي الصحة، مع توفير تحفيزات مادية ومهنية لاستقطاب الأطر الطبية نحو المناطق النائية والهامشية، إضافة إلى ضمان توفير التخصصات الطبية الأساسية بشكل قار داخل المستشفيات الإقليمية لتقليص الفوارق المجالية والحد من معاناة التنقل لمسافات طويلة قصد العلاج.
وأوصى التقرير أيضا بمراجعة نظام حجز المواعيد الطبية وتقليص آجال الانتظار، مع تخصيص حصص استعجالية للحالات ذات الأولوية وضمان الشفافية في تدبير قوائم الانتظار.
كما شدد على أهمية تشجيع إحداث شركات صيانة جهوية ومحلية للمعدات الطبية، خاصة في ظل تمركز شركات الصيانة الحالية في مدينتي الدار البيضاء والرباط، وهو ما يؤدي إلى تأخر عمليات الإصلاح.
ودعا المنتدى كذلك إلى وضع استراتيجية لمكافحة الأمراض المزمنة تراعي خصوصيات جهة الشرق، مع تبني مقاربة حقوقية في إعداد السياسات والبرامج الصحية، باعتبار الحق في الصحة حقا دستوريا يقتضي ضمان الولوج العادل والمنصف إلى خدمات العلاج والاستشفاء.