كشف عبد الهادي خيرات، القيادي السابق في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والملتحق حديثا بحزب التقدم والاشتراكية، أن اختياره لما يوصف بالترحال السياسي يجد مبرره في علاقته التاريخية بالحزب الجديد واحتكاكه السابق بمناضليه، معتبرا أن هذا القرب يجعله الإطار الأكثر انسجاما مع مساره وقناعاته، رغم أن وجهته الأولى بعد مغادرة الاتحاد كانت نحو حزب العدالة والتنمية. وأكد خيرات أن اليسار المغربي مدعو اليوم إلى تجاوز خلافاته الداخلية واستعادة تماسكه بما يسمح له بالعودة إلى واجهة الفعل الحزبي وتقديم بدائل واقعية تستجيب لانتظارات المجتمع.
وفي قراءته لأداء السياسات العمومية، سجل خيرات في برنامج “نقطة إلى السطر” على القناة الأولى، أن وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى لم تواكبها، بالقدر ذاته، تحولات اجتماعية ملموسة، مشيرا إلى أن الولوج إلى خدمات أساسية، مثل التعليم والصحة، بات في حالات عديدة رهينا بمسارات تكوين خاصة أو محدودة، بعد أن كانت الدولة تضطلع بدور مركزي في تكوين الأطر وتوسيع قاعدة الاستفادة. كما استحضر التحولات التي عرفتها بعض المناطق، من قبيل زاكورة، بفعل توجه استثمارات فلاحية نحو التصدير، معتبرا أن هذه الدينامية تثير أسئلة مرتبطة بتدبير الموارد المحلية ومبادئ العدالة المجالية.
وفي بعد تاريخي، عاد خيرات إلى محطات من التجربة السياسية الوطنية، مستحضرا لقاءات قادة الحركة الوطنية مع الحسن الثاني سنة 1970، وما رافقها من تعثرات في تشكيل الحكومة، إلى جانب مواقف علال الفاسي التي عكست طبيعة المرحلة. وربط خيرات بين تلك السياقات وواقع اليوم، معتبرا أن تراجع الثقة في السياسة يرتبط بتراكم اختلالات اجتماعية رغم ما تحقق من منجزات اقتصادية، مستحضرا تجربة عبد الرحمن اليوسفي باعتبارها محطة فارقة دشنت أوراشا اجتماعية كبرى، من بينها تعميم التغطية الصحية وإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
وبخصوص الرهانات الاستراتيجية، أشار خيرات إلى أن محمد السادس قدم تشخيصا واضحا عبر الدعوة إلى نموذج تنموي جديد، محذرا من مخاطر “مغرب بسرعتين” ومن استمرار الخصاص في قطاعات حيوية، في سياق يتسم بولوج الرأسمال الأجنبي إلى مجالات استراتيجية. ودعا في هذا الإطار إلى تعبئة الكفاءات المغربية من مختلف التخصصات قصد بلورة تصورات عملية تضمن تفعيل مخرجات النموذج التنموي والتقرير الخمسيني، معتبرا أن محدودية الأثر الإصلاحي لهذه الوثائق ترتبط ببقائها في مستوى التصورات غير المفعلة.
وختم خيرات بالتأكيد على أن المشهد الحزبي بالمغرب يواجه اختلالات بنيوية تستدعي إصلاحا عميقا يعيد الاعتبار لدور الفاعل السياسي في التدبير، ويصل بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بما يسهم في استعادة الثقة في العمل الحزبي ويمنح اليسار موقعا أقوى في التأطير والاقتراح والمساءلة. وتعيد عودته إلى الواجهة الحزبية طرح أسئلة حول قدرة نخب التجارب السابقة على إضفاء دينامية جديدة على الحياة السياسية، ومدى إمكانية أن يشكل هذا الحضور جسرا لتقليص هوة النفور المتزايد للشباب من الانخراط الحزبي.