خبير يعدد مكاسب مصادقة الحكومة على مركز الحوادث السيبرانية

على هامش مصادقة الحكومة، يوم 11 فبراير 2026، على اتفاق إحداث “مركز الدعم والتنسيق الإقليمي للاستجابة للحوادث السيبرانية” بالمغرب، مع تفعيل مقتضيات القانون 05.20 المتعلق بأمن نظم المعلومات، يطرح النقاش حول التحول العميق الذي تعرفه مقاربة المملكة لتدبير المخاطر الرقمية.

ولا يتعلق هذا  الأمر فقط بإجراء تنظيمي أو هيكلي، بل بخطوة ذات أبعاد استراتيجية تضع الأمن السيبراني في صلب معادلة الاستثمار والسيادة الاقتصادية، في سياق دولي يتسم بتصاعد الهجمات وتعاظم رهانات الاقتصاد الرقمي.

وفي هذا السياق، أكد سامي أمين، الخبير الاقتصادي، أن هذه الخطوة لا يمكن اختزالها في بعدها التقني، بل تمثل تحولا استراتيجيا يعيد “تسعير” المخاطر الرقمية للمغرب في أعين المستثمرين الدوليين، مشددا على أن الدولة تبعث من خلالها رسالة واضحة مفادها أن الثقة الرقمية أصبحت أصلا سياديا يدار بمنطق الحوكمة والاستباق والجاهزية، لا بمنطق رد الفعل بعد وقوع الأزمات.

وأوضح أمين أن إحداث مركز دعم وتنسيق إقليمي يعزز ما يمكن تسميته بـ“الدرع الرقمي” للمملكة، وهو عنصر حاسم في استقطاب استثمارات مراكز البيانات (Data Centers) والذكاء الاصطناعي (AI)، التي لا تبني قراراتها على توفر الكهرباء والألياف البصرية والعقار فقط، بل تضع في صلب حساباتها استمرارية التشغيل، وسرعة الاستجابة للحوادث، ووضوح الإطار التنظيمي.

وفي منطق الاستثمار الدولي، يشير الخبير الاقتصادي، أنه يتم احتساب ما يعرف بـ“Country Digital Risk Premium”، أي علاوة المخاطر الرقمية السيادية، ووجود مركز تنسيق واستجابة إقليمي من شأنه أن يخفض هذه العلاوة عبر ثلاث آليات أساسية: منها تقليص زمن الاكتشاف والاستجابة للحوادث (MTTD/MTTR) من خلال توحيد قنوات البلاغ والتنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يحد من زمن التوقف (Downtime) ويقلص الخسائر المالية وخسائر السمعة.

وفي هذا الاطار أشار أمين أيضا إلى رفع قابلية التأمين السيبراني، إذ تسعر شركات التأمين المخاطر بناء على نضج المنظومة الوطنية، وكلما تحسنت الحوكمة انخفضت الأقساط أو ارتفعت حدود التغطية، وتحسين شروط التمويل، لأن تقليص المخاطر “المهجّنة” – السيبرانية والتشغيلية ومخاطر السمعة – ينعكس مباشرة على كلفة رأس المال (Cost of Capital) بالنسبة للمشاريع الرقمية كثيفة الاستثمار.

كما شدد سامي  أمين على أن القانون 05.20 يوفر إطارا تنظيميا واضحا يختصر مساطر التدقيق المسبق (Due Diligence) التي يعتمدها المستثمرون الكبار في مجالي مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، فهؤلاء، بحسبه، يسألون دائما: من هي السلطة المرجعية؟ ما قواعد الامتثال؟ كيف يتم تدبير الحوادث؟ ومع وجود إطار قانوني يؤطر رفع أمن وصمود نظم المعلومات لدى الإدارات والهيئات العامة والبنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية، تصبح “خارطة الامتثال” أوضح، وتقل ضبابية المتطلبات، وهو ما يسرع قرارات الاستثمار ويعزز الثقة.

ويرى الخبير الاقتصادي أن البعد الإقليمي للمركز يمنح المغرب ميزة تنافسية إضافية، إذ إن استثمارات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تميل إلى المنصات القادرة على خدمة أكثر من سوق واحدة، وعندما يرتبط المغرب بشبكة إفريقية لهيئات الأمن السيبراني ويستضيف مركز دعم وتنسيق إقليمي، فإنه يطرح نفسه كبوابة ثقة رقمية نحو إفريقيا (Trusted Digital Hub)، ونقطة ارتكاز للشركات متعددة الجنسيات التي تحتاج إلى تنسيق عابر للحدود في الاستجابة للحوادث وإدارة المخاطر.

ولا يقف أثر هذه الخطوة عند حدود جذب الاستثمار، بل يمتد – وفق سامي أمين – إلى تعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة، فالسيادة في العصر الرقمي لم تعد مجرد مفهوم سياسي، بل أصبحت تعني القدرة على ضمان استمرارية الخدمات الحيوية، من مدفوعات وبنوك ومنصات حكومية، إلى اللوجستيك والطاقة والماء والصحة والتعليم، وأي هجوم سيبراني واسع قد يتحول إلى “ضريبة خفية” على الاقتصاد عبر توقف الخدمات، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الامتثال، وتآكل الثقة والإنتاجية.

واعتبر المتحدث في هذا الإطار  أن المقاربة الجديدة تنقل الدولة من منطق “الدفع بعد الحادث” إلى منطق “الاستثمار قبل الحادث”، موضحا أن كل درهم يصرف على الوقاية والرصد والجاهزية يشتري وقتا واستمرارية وسمعة، ويقلل من فاتورة الاسترجاع والتقاضي وإعادة بناء الثقة، ومع فرض حد أدنى إلزامي من معايير الأمن والصمود داخل المنظومات الحساسة، يتحول الأمن السيبراني إلى بنية تحتية استراتيجية لا تقل أهمية عن الطرق والموانئ وشبكات الكهرباء.

وخلص الخبير الاقتصادي تصريحه بالتأكيد على أن الاختراقات السيبرانية لا تسرق بيانات فحسب، بل قد تؤدي إلى نزيف في “رأسمالية المعرفة” عبر سرقة أسرار صناعية، ونماذج ذكاء اصطناعي، وبيانات تدريب، وتصميمات وعقود، وبالتالي فإن تحسين الحماية السيبرانية يعني حماية القيمة المضافة الوطنية وتعزيز القدرة التنافسية لشركات التكنولوجيا، وتمكينها من التوسع في بيئة أكثر أمنا وثقة.

وبذلك، تبدو مصادقة الحكومة على إحداث المركز وتفعيل القانون 05.20 تحولا بنيويا في تموقع المغرب داخل الاقتصاد الرقمي، حيث يلتقي الأمن السيبراني مع جاذبية الاستثمار، وتترجم الحوكمة الرقمية إلى رافعة للسيادة الاقتصادية والاستقرار التنموي.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *