شهد المغرب مؤخرا مؤشرات إيجابية على صعيد التساقطات المطرية واستعادة الفرشة المائية السطحية، بعد سنوات من الجفاف الممتد ما أعاد الأمل في تعزيز الإنتاج الفلاحي وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
غير أن هذه التحولات الظرفية تطرح سؤالا حول عما إن كان الموسم المطري الحالي سيشكل بداية نهاية أزمة الجفاف أم أنه مجرد استثناء موسمي لا يغير من هشاشة المنظومة المائية والفلاحة المغربية على المدى الطويل، وما هي الآثار الاقتصادية لهذه التساقطات على النمو الاقتصادي بالبلاد؟.
في هذا السياق شدد رشيد الساري الخبير الاقتصادي من خلال تصريح له لبلبريس، على أنه “لا يمكن أن نجزم بأننا تجاوزنا المرحلة الحادة في الجفاف مشيرا إلى أن نسبة ملء السدود لم تتجاوز بعد 60 في المئة وهو من بين المعايير الأساسية للحكم على ما إذا كانت السنة جافة أم لا وأضاف أن الأمطار يجب أن تستمر إلى غاية شهر مارس لكي يكون التأثير إيجابيا بالكامل، لكنه اعتبر أن استعادة الفرشة المائية السطحية قد تمت في حين أن الفرشة المائية الاستراتيجية تتطلب آلاف السنوات لتكوينها.
وأكد الساري أن القيمة المضافة الفلاحية قد تتحسن بشكل أكبر مما كان متوقعا في قانون مالية 2026 موضحا أن التقديرات المتفائلة تشير إلى إمكانية وصولها إلى 15 في المئة وربما أكثر من 20 في المئة وأضاف أن معدل النمو الإجمالي للمغرب قد يتجاوز 5,7 إلى 6 في المئة، مشددا مرة أخرى على أن هذه المؤشرات مشروطة باستمرار الأمطار ومحذرا من اعتبار هذه السنة مؤشرا نهائيا لتجاوز الجفاف وعلق على تصريح نزار بركة وزير التجهيز والماء بالقول إنه تصريح سابق لأوانه للحديث عن تجاوز مرحلة الجفاف.
من جانبه أكد سامي أمين الخبير الاقتصادي، أن خروج المغرب من دورة الجفاف يشكل إزالة قيد عن الاقتصاد ما قد يرفع نمو 2026 عبر الفلاحة ويخفف ضغط الأسعار على المستهلك ويحسن الميزان التجاري وينعش الاستثمار بشرط عدم الخلط بين تحسن ظرفي وحل هيكلي.
وأوضح أن الأذكى الآن هو تحويل مكسب المطر إلى أصول دائمة من خلال حكامة التوزيع وكفاءة استعمال الماء وربطه بالطاقة لكي يصبح النمو أقل تقلبا وأكثر قابلية للتوقع.
وأشار أمين إلى أن المغرب انتقل من اقتصاد ندرة ماء إلى اقتصاد فرصة ماء موضحا أن المندوبية السامية للتخطيط تتوقع نمو الاقتصاد إلى 5 في المئة في 2026 مدفوعا أساسا بتحسن الفلاحة مع نمو القيمة المضافة الفلاحية بحوالي 10,4 في المئة مقابل 4,5 في المئة في 2025 مدعوما بتحسن التساقطات احتياطات الماء، وانتعاش القطيع وحذر من هشاشة القطاع الفلاحي أمام أي ارتداد للجفاف، مشيرا إلى أن تحسن الماء لا يعني فقط محصولا أفضل بل يمتد أثره إلى تشغيل سلاسل الصناعات الغذائية مثل التعليب والتحويل والتبريد واللوجستيك وتقليل اختناقات مدخلات الإنتاج مثل العلف والماء للسقي وتحسين جودة وتواتر التصدير خاصة الخضر والفواكه مما يدعم العملة الصعبة.
وتابع المتحدث، أن تحسين الموسم الفلاحي يسهم أيضا في خلق هوامش مالية عبر تقليص فاتورة الاستيراد الغذائي خاصة الحبوب وتخفيف ضغط الدعم الظرفي وتقليص خسائر القطيع تدريجيا مع ملاحظة أن التعافي هنا أبطأ من تعافي السدود.
وخلص إلى أن الاستفادة من موسم مطري جيد تتطلب تحويل هذه الفرصة إلى استثمار مائي إنتاجي لزيادة العائد لكل متر مكعب، مشددا على ضرورة الانتقال من استثمار دفاعي إلى استثمار هجومي يشمل تحديث نظم الري وتخزين وتبريد المنتجات وزراعة محاصيل أقل استهلاكا للماء وأعلى هامشا وإنشاء صناعات غذائية موجهة للتصدير بعقود مستقرة.