وجه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي نقداً لاذعاً لمشروع القانون الجديد المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، معتبراً أنه لا يرقى إلى مستوى التوجهات الكبرى للسياسة العمومية، ويفتقر إلى رؤية واضحة تؤطر مضمونه ومقاصده.
وأكد المجلس، في رأي استشاري مفصل، أن النص التشريعي المعروض، وعلى الرغم من تناوله مختلف جوانب منظومة التعليم العالي، يعاني من غموض منهجي يجعل من الصعب تحليله أو التفاعل معه بشكل دقيق، محذراً من أن هذا الغموض قد يُفسح المجال لتأويلات متضاربة تُفقد المشروع انسجامه وتضعف أثره المنتظر.
غياب تصور استراتيجي ومهام مغيبة
وشدد المجلس على أن فعالية المشروع تبقى رهينة بتحديد دقيق لوظائف التعليم العالي، مشيراً إلى أن النص لم يُبرز بما يكفي المهام الأساسية التي ينبغي أن تضطلع بها المنظومة، وعلى رأسها تطوير شخصية الطالب وصقل مهاراته، وتمكينه من الكفايات الحديثة ضمن هندسة بيداغوجية متكاملة.
كما انتقد غياب إشارات قوية لدور التعليم العالي في تلبية حاجيات الإدارة والمقاولات، وفي تنشيط الحياة الثقافية ونشر المعرفة العلمية والتكنولوجية، داعياً إلى إدراج هذه الأدوار صراحة في القانون لضمان وضوحه وفعاليته.
بنية متعثرة وتناقضات في الهيكلة
من جهة أخرى، رصد المجلس ما وصفه بـ “اختلالات بنيوية” في طريقة صياغة النص، مشيراً إلى أن تقسيمه إلى عشرة أجزاء لم يحترم نسقاً موحداً، وافتقر إلى التبويب المنطقي، مما أدى إلى تداخل مواضيع متباينة داخل نفس الأبواب، كما في الجزء الرابع الذي جمع بين التنظيم البيداغوجي والموارد البشرية والدعم الاجتماعي دون رابط واضح.
ووصف ديباجة المشروع بأنها لا تعدو كونها إعلان نوايا، تخلو من آليات التنفيذ أو مؤشرات القياس، واقترح المجلس حذفها وتعويضها بديباجة القانون الإطار، نظراً لما تحمله من شرعية مرجعية واختيارات استراتيجية واضحة.
نص “محافظ” يعيد إنتاج القديم
واعتبر المجلس أن مشروع القانون بصيغته الحالية لم يقدم تصوراً استشرافياً أو نموذجاً متقدماً يعيد هيكلة منظومة التعليم العالي، بل اكتفى بإعادة تدوير مقتضيات القانون 01.00 مع إدخال تعديلات وصفها بـ”الجزئية” و”السطحية”، تفتقر إلى العمق ولا تواكب التحولات الجارية وطنياً ودولياً.
وسجل المجلس إدراج فصل خاص بالبحث العلمي كخطوة إيجابية في ظاهرها، لكنها جاءت معزولة وغير مندمجة في رؤية شاملة، ما حال دون تحقيق تكامل حقيقي بين التعليم العالي والبحث والابتكار.
تشتت القطاع وغياب الاستقلالية
وفي ما يشبه الإنذار، حذر المجلس من استمرار التشتت في بنية التعليم العالي بعد البكالوريا، بسبب غياب التنسيق مع التكوين المهني والتمايز القائم بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يعرقل بناء منظومة منسجمة وفعالة.
كما انتقد المجلس ما اعتبره فشلاً في إرساء استقلالية حقيقية للجامعات، داعياً إلى تمويل مستقل للبحث العلمي ووضع الطالب في صلب التحول المنشود، وهو ما غاب عن المشروع بشكل واضح.
غموض في مصير المؤسسات الأجنبية
وبخصوص فتح فروع لمؤسسات أجنبية بالمغرب، طالب المجلس بمراجعة الإطار القانوني المنظم لها، مشدداً على ضرورة التمييز بين الشراكات المباشرة والمبادرات المستقلة، مع احترام الاتفاقيات الدولية المبرمة، ومعالجة كل حالة وفق خصوصيتها.
تحذير من مخاطر التأويلات وتوصيات للإصلاح
وخلص المجلس إلى أن كثرة الإحالات على نصوص تنظيمية في قضايا جوهرية، تُضعف من قدرة المشروع على قيادة السياسة العمومية، وتهدد بتفاقم الفجوات بدل تجاوزها.
ودعا إلى صياغة قانون أكثر وضوحاً، يُبنى على تصور استراتيجي بعيد المدى، ويحدد بدقة مهام التعليم العالي، وآليات الحوكمة، ونموذج التمويل، بما يضمن انسجاماً داخلياً وتجاوباً مع متطلبات المستقبل.