تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من الترقب والتوجس في ظل استمرار حالة المد والجزر في العلاقات بين الولايات المتحدة الامريكية و ايران , خاصة بعد مذكرة التفاهم بين الطرفين والتي تم توقيعها عقب حرب استمرت اكثر من ثلاثة اشهر , وقد وقعت المذكرة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقصر فرساي , على هامش قمة السبع التي انعقدت بفرنسا , فيما لعبت كل من الوساطة الباكستانية والقطرية دورا محوريا في تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف لإرساء تهدئة ووضع اطار تفاوضي يمكن من خلالها انقاد المنطقة من التصعيد , وتفادي تكرار سيناريو الكساد الكبير لعام 1929 او ما يسمى بشبح هربرت هوفر , في ظل ما اصبحت تمثله الحرب من تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وامن الطاقة وسلاسل الامداد.
وقد لقيت مذكرة التفاهم ردود فعل داخلية متباينة لدى الطرفين، فمن الجانب الإيراني، اعتبر التيار المحافظ ان الاتفاق يمثل تراجعا عن مبادئ الثورة، وانه لا يمكن الوثوق مجددا بالولايات المتحدة الامريكية، في حين يرى النظام والتيار الإصلاحي بضرورة خفض التصعيد واللجوء للدبلوماسية أصبحا ضرورة تفرضها الظروف الداخلية والخارجية، غير ان حجم الفوضى التي خلفتها الحرب، جعل من الصعب تحديد طبيعة مركز القرار داخل الإدارة الإيرانية خصوصا مع انهيار الصفوف القيادية الأولى. اما الداخل الأمريكي فقد انقسمت المواقف بدورها بين مؤيد لأنهاء الحرب مهما كانت طبيعة الاتفاق، وبين من اعتبر ان الإدارة الامريكية اضطرت الى توقيع المذكرة تحت ضغط تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي، واستحضار شبح الكساد الكبير وتجارب الاستنزاف العسكري وعلى راسها حرب الفيتنام. ومن ثم , يمكن اعتبار المذكرة تعبيرا عن رغبة الطرفين لخفض الصراع وبالأحرى إدارة الصراع والتوتر بطرق أخرى اكثر منها انهاء حقيقيا لها , وهو ما عكسته جليا في الهجمات الأخيرة على جزيرة قشم ومناطق الجنوب و الساحل الإيراني وعودة الحصار البحري, ما اعقبها من ردود ايرانية استهدفت بعض دول الخليج وتحركات الحوثيين في البحر الاحمر, رغم ان البند الأول من مذكرة التفاهم تنص على الانهاء الفوري والدائم للحرب , وتعهد الطرفين على عدم شن أي عمل عدائي والامتناع عن استخدام القوة , غير ان الواقع الدولي و الإقليمي يفرض معادلات جديدة تغير من موازين القوى , كما ان الخلاف حول تفسير بنود المذكرة , لاسيما البند الخامس المتعلق بمضيق هرمز , يظل عاملا مرشحا لإعادة التوتر والتسبب في اندلاع مزيد من الهجمات , وتهديد الاستقرار الاقليمي , وانطلاقا من ذلك يبرز التساؤل الاتي : الى أي حد تشكل مذكرة اسلام اباد اطارا فعالا لإدارة الخلاف الأمريكي الإيراني في ظل تباين تفسير بنودها , وتشابك الاعتبارات الإقليمية والداخلية لدى الطرفين؟
جاءت مذكرة التفاهم بعد فشل لسياسية القوة في تغيير النظام الإيراني و الصمود الذي اظهرته خلال كافة اطوار الحرب رغم قوة الضربات و الإصرار الأمريكي الإسرائيلي , كما تسببت الحرب في اغلاق مضيق هرمز تهديد الملاحة الدولية مما رفع كلفة الحرب ودفع الاقتصاد العالمي لشفا الانهيار , ومع ذلك فقد دفعت طهران ثمنا باهظا تمثل في تدمير العديد من البنى التحتية و المنشآت الحيوية والحاق اضرار بالغة بالبرنامج النووي , بينما واجه الطرف الأمريكي خطر نفاذ مخزونها الاستراتيجي من الذخائر والصواريخ, لاسيما مع تصاعد وتيرة الهجمات بعد استهداف الجانب الإيراني لناقلة الغاز القطرية “الركيات” و ناقلة الغاز السعودية “وديان” , إضافة الى السفينة القبرصية GFS Galaxy . لذلك كشفت مذكرة التفاهم رغم نصها على وقف الاعتداءات من الجانبين، مدى محدوديتها امام تعقد الواقع الإقليمي والذي يتسم بالفوضى، كما اثار انقسامات داخل الدوائر السياسية الامريكية والتي اعتبرت ان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدمت تنازلات كبيرة لصالح إيران مقارنة بالاتفاق النووي الذي ابرم سنة 2015 ابان فترة حكم الرئيس السابق باراك أوباما، وهو ما يزيد من الضغوط على الرئيس الأمريكي الساعي الى تقديم اتفاق أفضل مما أقامه نظيره السابق.
ومع ذلك يمكننا اعتبار ان المذكرة قد يكون لها وقع إيجابي باعتبارها فرصة لإرساء هدنة مؤقتة بالمنطقة، بفضل دور الوسطاء، وما قد تحققه إيران من مكاسب اقتصادية قد تدفعها الى ابداء قدر من المرونة، من قبيل تخفيف القيود على صادرتها النفطية عبر منح تراخيص، او الافراج عن أصولها المجمدة بدون حتى تقديم التزامات واضحة منها بشأن البرنامج النووي.
غير ان التحدي الأكبر يظل مرتبطا بتفسير بنود المذكرة، وخاصة البند الخامس الذي ينص على فتح المضيق امام السفن بدون رسوم لمدة ستين يوما وتطهير المضيق من الألغام وإزالة العقبات الفنية والعسكرية، مع إقامة حوار مع سلطنة عمان لتحديد ملامح الإدارة المستقبلية للمضيق، فمن الواضح ان إيران تريد تأكيد سيادتها الكاملة على المضيق خاصة بعد انشائها لهيئة إدارة مضيق هرمز تابعة للقوات البحرية للحرس الثوري، مقابل تمسك امريكي بحرية الملاحة الكاملة. ورغم الضربات الامريكية فان إيران تعتمد على أدوات منخفضة التكلفة وسهلة التعويض مثل المسيرات او الزوارق السريعة، وهو ما يعكس نمطا من الردع يقوم على إدارة الاستنزاف، حيث يسعى كل طرف رفع كلفة استمرار الصراع، واثبات قدرته على التحكم بالممر البحري، وفي هذا السياق حاول الطرف العماني تقديم مقترح “الممر المزدوج “الا انه يثير إشكالات سياسية وقانونية حالت دون قبوله من مختلف الأطراف.
لا يمكن حصر تداعيات الازمة في بعدها العسكري فحسب , بل تمتد اثارها الى امن الطاقة العالمي, فحتى دون الاغلاق الكامل للمضيق او فتحه , فإن استمرار المخاطر الأمنية وتبعات الحرب يكفي لاستمرار ارتفاع أسعار النفط, وزيادة تكاليف الشحن والتامين , بما يدفع الدول على ضرورة حماية الممرات البحرية وسلاسل النقل ,ويبرز في هذا السياق التخوف المصري من اتساع رقعة الصراع الى البحر الأحمر لما قد يمثله ذلك من تهديد لحركة الملاحة في قناة السويس , كما يجعل ذلك الممرات البحرية جزاء من المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى , كما هو الحال في مضيق ملقا او تايوان , ومن جهة أخرى تتجه بعض الدول والتكتلات البحث عن ممرات بديلة او احياء المشاريع قديمة كالممر الاقتصادي بين الهند والشرق الاسط و اوروبا IMEC او خط الحجاز بين تركيا والسعودية او طريق التنمية العراقي, غير ان التعقيدات اللوجستية و التحديات الأمينة في مقدمتها الإرهاب و الجماعات المسلحة , تجعل من هذه البدائل خيارات صعبة التنفيذ في المدى المنظور .
وعلى ضوء ما سبق , رغم استمرار الضربات العسكرية المتبادلة , فمن الناحية الاستراتيجية من المستبعد ان تنزلق الى حرب شاملة نظرا لخطر ارتفاع الكلفة على جميع الأطراف , وعليه فاحتمال التسوية والمضي بالدبلوماسية قائم في ظل الجهود التي يبذلها الوسيط الباكستاني , لذلك يبدو السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار حالة “للاسلم”, بحيث تتواصل الضربات الامريكية المحدودة مع تصعيد الضغوظ الاقتصادية كفرض الرسوم و الحصار , مقابل سعي طهران الى تعزيز ورقة مضيق هرمز باعتبارها احدى اهم اوراقها التي تمنحها قدرا من التوازن في العملية التفاوضية , مع بقاء العامل الإسرائيلي متغيرا أساسيا قد يعيد خلط الأوراق وقلب التوازنات القائمة.
الفضيلي عبد الحليم
باحث في العلوم السياسية والجيوستراتيجية