على هامش الزيارة التي قام بها ملك إسبانيا لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي 13 و14 من شهر أكتوبر الجاري، أثار غياب التهنئة الملكية المعتادة بمناسبة العيد الوطني لإسبانيا موجة من التساؤلات والقراءات السياسية.
ففي الوقت الذي دأب فيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس على توجيه برقية تهنئة رسمية إلى الجار الشمالي بالتزامن مع هذه المناسبة الوطنية التي تصادف 12 من أكتوبر لكل سنة، لم يصدر هذه المرة أي موقف أو تهنئة رسمية، مما فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول الدلالات السياسية لهذا الصمت الدبلوماسي، وما إذا كان يشكل ردا غير مباشر ورسالة حازمة تجاه الخطوة الإسبانية الأخيرة.
وفي هذا السياق، أكد محمد نشطاوي، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية، أن العلاقات المغربية الإسبانية كانت ولا تزال تتسم بالحذر والحذر المتبادل، مشيرا إلى أن عدم تهنئة الجالس على العرش، الذي عوّد الجميع على مراعاة مثل هذه المبادرات الدبلوماسية مع كافة الرؤساء والملوك والأمراء، مرده إلى قيام العاهل الإسباني فيليبي السادس بزيارة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وهو يعلم جغرافيا وسياسيا أن مثل هذه الخطوات تثير حفيظة المملكة المغربية.
![]()
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية خلال حديثه “لبلبريس” أنه لا بد من الاستحضار التاريخي للزيارة الأولى التي قام بها الملك خوان كارلوس لسبتة ومليلية سنة 2007، وما أعقبها حينها من استدعاء وسحب للسفير المغربي في مدريد وتوتر حاد في العلاقات الثنائية.
ولفت نشطاوي إلى أنه على الرغم من أن العاهل الإسباني لا يملك سلطات تنفيذية حقيقية، إلا أن هذه الزيارة تم إقرارها ودفعها من قبل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، في محاولة منه للركوب على موجة الأزمة المستجدة في سبتة، بهدف كسب المزيد من الأصوات الانتخابية، لاسيما مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية الإسبانية المبكرة المزمع عقدها خلال الأسابيع الخمسة المقبلة.
وأضاف المتحدث ذاته أنه حتى وإن لم يصدر رد فعل رسمي مباشر من السلطات المغربية على غرار ما شهدته سنة 2007، فإن غياب التهنئة الملكية يشكل رسالة دبلوماسية واضحة وصريحة لا تقبل أي تأويل، مفادها أن هذه الزيارة غير مرحب بها وغير مرغوب فيها، وقد تدفع باتجاه تشنج جديد في العلاقات البينية، خاصة بعد أن شهدت في الآونة الأخيرة مرحلة ازدهار وتعاون ملموس.
وشدد نشطاوي على أهمية ومحورية الشراكة بين البلدين، مبينا أن إسبانيا تعد الشريك الاقتصادي والاستراتيجي الأول للمغرب، بحجم مبادلات تجارية ثنائية يتجاوز 22 مليار دولار، إلى جانب تواجد أكثر من 600 شركة إسبانية تعمل داخل التراب المغربي.
كما يمتد هذا التعاون ليشمل القضايا الكبرى والملفات الحساسة؛ كالتنسيق الأمني، وإدارة ملفات الهجرة، ومكافحة تجارة المخدرات، والجريمة العابرة للحدود، ومحاربة التطرف، وهي مجالات حيوية تتطلب مشاركة فعالة وتنسيقا وثيقا بين الجانبين.
وخلص نشطاوي إلى أن إسبانيا قد تكون الخاسر الأكبر من هذه المناورات السياسية، مشيرا إلى أن هذه الزيارة من شأنها أن تعكر صفو العلاقات وتلقي بظلالها على مستوى التنسيق الاستراتيجي والمبادلات الاقتصادية بين الرباط ومدريد خلال المرحلة القادمة.