من المغازلة للمنابزة..ما مآلات صراع البام والأحرار في الحملة الانتخابية؟

لم يكد موعد الاستحقاقات الانتخابية يقترب حتى تحولت الساحة السياسية المغربية إلى ساحة مواجهات مفتوحة بين حزبين يشكلان معا عمودا فقريا للتحالف الحكومي الحالي، فحزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، اللذان تبادلا عبارات الثناء والمغازلة والتنسيق طوال السنوات الماضية، وجدا نفسيهما في خضم صراع انتخابي محتدم، انتقل من التصريحات الإعلامية إلى الطعون القانونية والشكايات الموجهة إلى النيابة العامة، وفق ما رصدته تقارير إعلامية متطابقة.

شرارة الانفجار

وكانت دائرة مديونة بجهة الدار البيضاء-سطات مسرحا لأول مواجهة مكشوفة بين الحزبين، حسب ما أوردته تقارير إعلامية متطابقة. فقبل انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية، تقدم عبد الرحيم بنضو، المنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة ووكيل لائحته بالدائرة، بطعن لدى السلطات الإقليمية ضد أمين النقطى، مرشح حزب التجمع الوطني للأحرار.

واستند الطعن، وفق المعطيات ذاتها، إلى اتهامات باستغلال العمل الخيري لأغراض انتخابية، حيث قيل إن النقطى، بصفته المدير العام لمجموعة وليلي، قام بتوزيع مساعدات غذائية وقفف رمضانية على الأسر المعوزة “في سياق زمني متزامن مع قرب الاستحقاقات الانتخابية”، وطالب المنسق الجهوي لـ”البام” السلطات باتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك إلغاء ترشيح منافسه، وإحالة الملف على النيابة العامة المختصة إذا ثبتت المخالفات.

في المقابل، رفض أمين النقطى هذه الاتهامات، مؤكدا أن “الجمعية المعنية التي تنشط وطنيا وإقليميا لا تربطها أي علاقة بالشركة التي يديرها”، وأن أنشطتها “نُظمت في شهر مارس الماضي، وليس اليوم تزامنا مع الحملة الانتخابية”، وفق ما نقلته تقارير إعلامية متطابقة رصدتها بلبريس. وتنصل من أي صلة بين عمله الخيري ومسعاه الانتخابي.

التصعيد القانوني..شكايات متبادلة

لم يتوقف الأمر عند حدود الطعون الإدارية، بل امتد إلى ساحات قانونية أوسع، حسب ما كشفت عنه معطيات متطابقة. فالحزبين وجها شكايات إلى السلطات المختصة، كل ضد الآخر، في خطوة تعكس حجم التصعيد بين شريكين حكوميين.

وتستند هذه الشكايات إلى مزاعم بخرق القوانين الانتخابية والتنظيمية، في محاولة واضحة لاستثمار الآليات القانونية كسلاح في المعركة الانتخابية.

وفي هذا السياق، تبرز معطيات حساسة، رصدتها تقارير إعلامية متطابقة، تتعلق بوجود لائحة لفائزين باسم حزب التجمع الوطني للأحرار كانوا سابقا ضمن مرشحي “البام” ولم يقدموا استقالاتهم أو يسووا وضعيتهم الإدارية والمالية. هذه التفاصيل قد تشكل مادة دسمة للطعون المستقبلية، مما ينذر بجولة قضائية طويلة بعد إعلان النتائج.

تحالف مضطرب..من التنسيق إلى التنافس

المفارقة الأبرز في هذه المواجهة، تكمن في أن الحزبين شريكان في الأغلبية الحكومية منذ 2021. وقد شكلا، إلى جانب حزب الاستقلال، ائتلافا حكوميا وُصف حينها بأنه “أغلبية برلمانية مريحة ومنسجمة”، لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تصدع تدريجي في هذا التحالف، تحول مع اقتراب الانتخابات إلى تنافس علني على “التميز السياسي”.

وتعكس هذه الدينامية، حسب الكثيرين، تنافسا انتخابيا محموما، لكنها تحذر من أن خطاب الحزبين الدفاعي وتنازعهما على نسبة الحصيلة الحكومية قد يتحول إلى تصدع دائم يهدد استقرار التحالف الحكومي في ولاية ثانية محتملة.

فقد دافع كل حزب عن حصيلته داخل الحكومة، محاولا تثبيت موقعه في المشهد السياسي والدفاع عن مساهمته في الإنجازات الحكومية، “سواء في مواجهة انتقادات المعارضة، أو في مواجهة محاولات تحقيق التميز السياسي الذي برز داخل مكونات التحالف الحكومي”.

ماذا بعد؟

ومع تصاعد هذه المواجهات يبقى السؤال مشروعا عما إن كانت هذه المواجهات مجرد عارض انتخابي سينطفئ بمجرد إعلان النتائج وتشكيل الحكومة الجديدة؟ أم أنها مؤشر على تصدع أعمق سيمتد إلى ما بعد الانتخابات؟

وبحسب متابعين للشأن الحزبي والسياسي بالمغرب فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الحزبين يحاولان إدارة هذه التناقضات بحذر، فهناك “اتفاق مزعوم” بين قيادتهما، وفق مصدر حزبي نقلته تقارير إعلامية، على “تجاوز الخلافات والطعون المتبادلة ضد بعض المنتخبين خاصة الكبار منهم”.

هذا الاتفاق، إن صح، يكشف أن القيادتين تدركان أن استمرار المواجهة بعد الانتخابات قد يهدد مصالحهما المشتركة، خصوصا إذا وجدا نفسيهما مضطرين للتحالف مجددا لتشكيل الأغلبية الحكومية.

في المقابل، تلمح تصريحات فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، إلى أن الحزب لا يغلق أي باب مسبقا، فقد أكدت أن الحزب “لا خطوط حمراء لديه” في التحالفات، لكن “له قضايا حمراء”، مشددة على أن أي تحالف لن يكون على حساب القيم والمبادئ التي تأسس عليها الحزب، وهو الموقف الذي اعتبره متابعون يعكس مرونة استراتيجية تتيح للحزب التحالف مجددا مع “الأحرار” إذا اقتضت الضرورة العددية ذلك، لكن بشروط تفاوضية ستكون أكثر صرامة.

تداعيات محتملة على التحالفات المستقبلية

في حال احتفظ الحزبان بموقعهما المتقدم في المشهد الانتخابي، سيجدان نفسيهما أمام خيارين، إما تجاوز الخلافات وإعادة إنتاج التحالف الحكومي الحالي، أو البحث عن ترتيبات جديدة مع شركاء آخرين.

فالخيار الأول يبدو الأكثر ترجيحا بالنظر إلى أن “العرس الانتخابي” بطبعه يفرض على الأحزاب تجاوز خلافاتها بمجرد إعلان النتائج، إذ تعلو المصلحة السياسية والبراغماتية على الحساسيات الناجمة عن الحملة.

لكن هذا السيناريو ليس مضمونا بالكامل، وفق المعطيات المتوفرة، فالطعون والشكايات المتبادلة، إذا ما أفضت إلى إسقاط منتخبين بارزين من أحد الطرفين، ستخلق جرحا قد يصعب تجاوزه بسرعة، كما أن حالة “الاستقطاب الانتخابي” التي يشهدها الحزبين قد تترك أثرا على ثقة قواعدهما الشعبية، مما قد يضعف قدرة القيادتين على تبرير تحالف جديد لجمهوريهما.

والأكيد أن ما يجري اليوم بين “البام” و”الأحرار” ليس مجرد منافسة انتخابية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لقدرة التحالف الحكومي على تحمل ضغوط الانتخابات، وكشف عن هشاشة التحالفات السياسية عندما تتصادم مع حسابات المصالح الانتخابية،

وبينما ينتظر المغاربة نتائج صناديق الاقتراع، يبقى السؤال معلقا، إن كانت البراغماتية السياسية ستنتصر  على جراح الحملة الانتخابية، أم أن المواجهة الحالية هي مجرد مقدمة لتحولات أعمق في خريطة التحالفات المقبلة؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *