بعد سنوات من موقع المعارضة الاتحادية، عاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى قلب الجهاز التنفيذي، ضمن تشكيلة حكومية يقودها حزب الأصالة والمعاصرة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، وتضم إلى جانبه كلا من حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية.
وحسب مصادر مطلعة تحدثت لـ“بلبريس”، فإن الاتحاد الاشتراكي سيكون حاضرا بثلاثة أسماء وازنة، هي عبد الرحيم شهيد، وخديجة الكلاع، والمهدي مزواري، دون أن تحدد المصادر ذاتها طبيعة الحقائب التي سيتولاها الحزب.
ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من المشاورات المكثفة، أعقبت الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، والتي أفرزت خريطة سياسية جديدة، وضعت حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة الترتيب العام، وفتحت الباب أمام تشكيل أغلبية حكومية جديدة تستند إلى تحالف واسع يمتد من “الجرار” مروراً بأ”الميزان” إلى “الوردة” و”الكتاب”.
وكان لافتا أن الاتحاد الاشتراكي، الذي راكم خلال الولاية المنقضية موقعا متقدما في المعارضة من داخل البرلمان، قد اختار هذه المرة خيار المشاركة الحكومية، بعد قرار المجلس الوطني للحزب في دورة استثنائية، انعقدت بالرباط مطلع أكتوبر الجاري، رحب بموجبه بالمشاركة، وفوض الكاتب الأول إدريس لشكر تدبير المشاورات، مع التأكيد على ضرورة أن تقوم المشاركة على “تعاقد واضح” حول أولويات المرحلة، في مقدمتها التشغيل وتحسين القدرة الشرائية وإصلاح قطاعي التعليم والصحة والحد من الفوارق المجالية.
وإذا كانت طبيعة الحقائب الوزارية التي سيحظى بها الاتحاد الاشتراكي لم تحسم بعد، فإن الأسماء الثلاثة التي كشفتها مصادر “بلبريس” تعكس إلى حد كبير الاستراتيجية التي اعتمدها الحزب في اختيار ممثليه داخل الحكومة، وهي استراتيجية تقوم على الجمع بين التجربة البرلمانية الطويلة، والكفاءة المهنية، والقدرة على التواصل مع القواعد الحزبية.
غير أن السؤال الذي يبقى مطروحا بإلحاح هو عن طبيعة الحقائب التي سيتولاها الاتحاد الاشتراكي في الحكومة القادمة؟، في الوقت الذي لم تحدد مصادر “بلبريس” طبيعة الحقائب، وهو ما يزيد من حرارة التكهنات في كواليس العاصمة. ففي أوساط الاتحاديين، يُتحدث عن رغبة في الحصول على حقائب قطاعات لها وقع مباشر على حياة المواطنين، كالشغل والتعليم والصحة والتضامن الاجتماعي.
لكن التشكيلة الحكومية برئاسة حزب الأصالة والمعاصرة، والتي تضم أحزابا وازنة كالاستقلال والتقدم والاشتراكية، تجعل من مسألة توزيع الحقائب عملية تفاوضية معقدة، تتداخل فيها الاعتبارات الحزبية مع الموازنات الإقليمية والجهوية، فضلا عن الثقل السياسي لكل مكون.
وإذا كان الاتحاد الاشتراكي قد اختار أخيرا العودة إلى الحكومة بعد تجربة معارضة غير يسيرة، فإن كلفة هذا القرار داخل قواعده الحزبية قد تكون باهظة، خاصة أن الحزب ظل خلال السنوات الأخيرة، يوجه انتقادات قوية لأداء الحكومة المنتهية ولايتها، متهما إياها بالفشل في ملفات حساسة كالقدرة الشرائية والتشغيل والفوارق الاجتماعية والمجالية.
وتشكل عودة حزب “الوردة” إلى الحكومة منعطفا مهما في مسار الحزب، الذي ظل طيلة الولاية السابقة يبني خطابه السياسي على موقع المعارضة، منتقدا أداء الحكومة ورافعاً شعارات “العدالة الاجتماعية” و”العدالة المجالية”، ومستثمرا في قضايا المواطنين اليومية.
ويرى مراقبون أن ممارسة السلطة بكل ثقلها وتناقضاتها، قد تضع الحزب أمام اختبار جديد، ليس فقط في علاقته مع شركائه الحكوميين، بل أيضا في علاقته مع قواعده الشعبية، التي ستراقب عن كثب ما إذا كانت الوعود الاتحادية قادرة على أن تتحول إلى قرارات فعلية داخل الحكومة القادمة.