كواليس الاستوزار.. هل تنتصر المنصوري على ضغط الأسماء؟

كلما اقتربت مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة من نهايتها، انتقل النقاش من سؤال الأغلبية إلى سؤال أكثر تعقيداً وحساسية: من سيجلس حول طاولة المجلس الحكومي؟ فبعد أن بدأت ملامح التحالف السياسي الذي تقوده فاطمة الزهراء المنصوري تتضح، برز ملف الاستوزار باعتباره الاختبار الأصعب أمام رئيسة الحكومة المعينة، في ظل تعدد الطامحين إلى العودة إلى الواجهة التنفيذية، ووجود قيادات حزبية ترى أن المشاركة في الحكومة لا تكتمل من دون حضور أسماء بعينها.

المعطيات المتداولة خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أن المنصوري تتجه نحو حكومة سياسية تستند أساساً إلى الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، مع استمرار النقاش حول صيغة مشاركة الحركة الشعبية أو طبيعة موقعها داخل الأغلبية. ووفق ما نقلته مصادر خاصة، فإن مجموع مقاعد هذه الأحزاب الخمسة يبلغ 236 مقعداً، وهو ما يمنح الصيغة المقترحة أغلبية مريحة داخل مجلس النواب.

لكن تجاوز عقبة التحالفات لا يعني بالضرورة أن الطريق أصبح معبداً أمام المنصوري، فالتحدي الحقيقي يبدأ من لحظة الانتقال إلى توزيع الحقائب واختيار الأسماء. وهنا تحديداً تبرز معادلة دقيقة بين رغبة رئيسة الحكومة في تشكيل فريق يحمل صورة سياسية جديدة، وبين حسابات الأحزاب التي تريد الحفاظ على نفوذها داخل السلطة التنفيذية، سواء من خلال إعادة وزراء سابقين أو الدفع بقيادات حزبية تعتبر نفسها الأحق بالاستوزار.

 

وتبدو رغبة المنصوري في ضخ دماء جديدة في الحكومة منطقية سياسياً، خصوصاً أن الحكومة المقبلة ستولد في سياق انتخابي مختلف، وفي ظل رغبة معلنة في تقديم صورة جديدة للعمل الحكومي. فالحكومة التي ستقود المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بالإجابة عن ملفات اجتماعية واقتصادية ثقيلة، كما ستكون مطالبة باستعادة ثقة المواطن في المؤسسات والسياسة، وهو ما يجعل اختيار الوزراء جزءاً من الرسالة السياسية للحكومة، وليس مجرد توزيع للحقائب بين الأحزاب.

 

ومن هذه الزاوية، فإن الاستمرار في الاعتماد على أسماء استهلك حضورها السياسي، أو ارتبطت في ذهن الرأي العام بحصيلة حكومية سابقة، قد يضعف منذ البداية صورة التغيير التي تحاول المنصوري تقديمها. لذلك، تبدو رئيسة الحكومة المعينة أمام رغبة في التمييز بين “التمثيلية الحزبية” وبين “الاستوزار”، بمعنى أن حصول حزب ما على حصة داخل الحكومة لا يعني بالضرورة أن كل الأسماء التي يقترحها ستكون مقبولة.

 

وهنا تبدأ الكواليس الحقيقية. فالأمين العام أو القيادة الحزبية قد تكون معنية قبل كل شيء بضمان حضور سياسي قوي داخل الحكومة، بينما قد تكون المنصوري معنية أكثر بمواصفات الشخص الذي سيحمل الحقيبة، وقدرته على تدبير القطاع والتواصل مع الرأي العام وتحمل المسؤولية السياسية. وبين المنطقين يمكن أن تنشأ مفاوضات صعبة حول من يدخل الحكومة ومن يبقى خارجها.

 

وتزداد حساسية الملف عندما يتعلق الأمر بالوزراء الذين راكموا تجربة سابقة، إذ يمكن للأحزاب أن تنظر إليهم باعتبارهم أسماء جاهزة وقادرة على تدبير القطاعات، بينما قد ترى فيهم رئاسة الحكومة وجوهاً ارتبطت بمرحلة سياسية تريد تجاوزها. لذلك، فإن معيار “الكفاءة والخبرة” قد يدخل في مواجهة مباشرة مع معيار “التجديد السياسي”، خصوصاً في القطاعات التي أصبحت تحت المجهر الشعبي.

 

المؤشرات القادمة من المشاورات تؤكد أن توزيع الحقائب بدأ يتحول إلى محور أساسي في المفاوضات. فقد كشفت معطيات إعلامية عن نقاشات مباشرة بين المنصوري ونزار بركة حول الحقائب الوزارية ومشاركة الاتحاد الاشتراكي، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تقدم واضح في اتجاه تشكيل حكومة تضم أحزاب الكتلة إلى جانب الأصالة والمعاصرة.

 

وإذا كانت الأحزاب قد دخلت المشاورات وهي تملك أوراقاً انتخابية متفاوتة، فإنها تدخل مرحلة الاستوزار بأوراق أخرى: حجمها البرلماني، وزنها داخل التحالف، قوة قيادتها، وعدد الأسماء التي ترغب في الدفع بها إلى الحكومة. وهذا ما يجعل عملية التفاوض على الحقائب أشبه بعملية توازن دقيقة، خصوصاً أن كل حقيبة قد تتحول إلى عنوان لصراع سياسي داخل الحزب أو بين مكونات الأغلبية.

 

في المقابل، تمتلك المنصوري نقطة قوة مهمة تتمثل في كونها ليست مضطرة إلى تشكيل حكومة من لون حزبي واحد، بل أمامها هامش واسع للمفاضلة بين عدد من الخيارات. فقد أظهرت الجولة الأولى من المشاورات أن أغلب الأحزاب، باستثناء العدالة والتنمية وتحالف اليسار اللذين اختارا المعارضة، أبقت الباب مفتوحاً أمام المشاركة الحكومية. كما أكد التجمع الوطني للأحرار رسمياً استعداده للمشاركة، رغم أن المؤشرات اللاحقة لم تضعه في صدارة الصيغة المتداولة حالياً.

 

وهذا الهامش قد يسمح للمنصوري برفع سقف شروطها في الاستوزار. فكلما تعددت الخيارات أمام رئيسة الحكومة، تراجعت قدرة أي حزب على فرض أسماء بعينها، لأن رفض اسم معين لا يعني بالضرورة سقوط التحالف برمته. لكن في المقابل، كلما اقترب موعد الإعلان عن الحكومة، قد تتزايد الضغوط السياسية، خصوصاً إذا شعرت قيادات حزبية بأن حصتها الوزارية أو أسماءها المفضلة مهددة.

 

ولعل أكثر ما يختبر قدرة المنصوري في هذه المرحلة هو قدرتها على الفصل بين “إرضاء الأحزاب” و”إرضاء الرأي العام”. فالحكومة تحتاج إلى أغلبية سياسية متماسكة، لكنها تحتاج أيضاً إلى وجوه قادرة على منحها مصداقية منذ اليوم الأول. وإذا انتهت المفاوضات إلى حكومة تعيد إنتاج جزء كبير من الوجوه السابقة، فقد يجد خطاب التجديد نفسه أمام أول تناقضاته.

 

في المقابل، سيكون من الصعب على المنصوري إقصاء كل الأسماء ذات التجربة. فالحكومة المقبلة مقبلة على ملفات كبرى، بينها تنزيل الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، والاستعداد للاستحقاقات المرتبطة بكأس العالم 2030، فضلاً عن تدبير أوراش تحتاج إلى معرفة دقيقة بآليات الدولة. ولذلك قد يكون التحدي الحقيقي ليس في إبعاد كل الوزراء السابقين، وإنما في انتقاء من أثبتوا قدرتهم على الاستمرار مع ضخ وجوه جديدة تمنح الحكومة نفساً سياسياً مختلفاً.

 

كما أن تمثيلية النساء ستشكل بدورها اختباراً إضافياً لرئيسة الحكومة. فانتخابات 23 شتنبر أفرزت 107 نائبات، أي ما يقارب 27 في المائة من مجلس النواب، مقابل 24.3 في المائة خلال الولاية السابقة، وهو ما يرفع سقف الانتظارات بشأن حضور النساء داخل الحكومة الجديدة، ليس فقط من حيث العدد، وإنما أيضاً من حيث طبيعة الحقائب المسندة إليهن.

 

وبذلك، فإن معركة الاستوزار لا تبدو مجرد معركة على عدد الحقائب، وإنما صراعاً على صورة الحكومة المقبلة وهويتها السياسية. المنصوري تريد، وفق المؤشرات المتاحة، حكومة سياسية جديدة قادرة على تقديم نفسها باعتبارها بداية مرحلة مختلفة، فيما تسعى القيادات الحزبية إلى حماية مواقعها وضمان حضور الأسماء التي تراها قادرة على تمثيلها داخل الجهاز التنفيذي.

 

ويبقى السؤال الحاسم: هل ستنجح المنصوري في فرض منطق الكفاءة والتجديد، حتى ولو تطلب الأمر استبعاد أسماء حزبية وازنة أصبحت صورتها مستهلكة لدى جزء من الرأي العام، أم أن الحسابات الداخلية للأحزاب ستجبرها في نهاية المطاف على تقديم تنازلات؟

 

الجواب لن يظهر فقط في عدد الوزراء، بل في الأسماء نفسها. فالحكومة المقبلة ستكون أول امتحان حقيقي للمنصوري بعد انتقالها من قيادة حزب متصدر للانتخابات إلى قيادة الجهاز التنفيذي. وإذا نجحت في تشكيل حكومة تجمع بين التوازن الحزبي والتجديد والكفاءة، فقد يتحول الاستوزار من مجرد تسوية بين الأحزاب إلى أول رسالة سياسية للعهد الحكومي الجديد. أما إذا غلب منطق إرضاء القيادات على منطق تجديد الوجوه، فإن السؤال الذي سيطرح منذ اليوم الأول سيكون بسيطاً: أين هو التغيير الذي وعدت به حكومة المنصوري؟

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *