قصوري يستعرض تحديات التحالف الحكومي وسيناريوهات هندسة الحقائب الوزارية

بعد الإعلان عن تشكيلة الأغلبية الحكومية وانغلاق دائرة المشاورات الأولية على التحالف الرباعي، يدخل المشهد السياسي الوطني مرحلة جديدة تضع الأحزاب المشكلة للائتلاف أمام جملة من التحديات التنظيمية والسياسية المعقدة التي تفرضها متطلبات بناء الهندسة الحكومية المقبلة.

وتأتي في صدارة هذه الرهانات مسألة توزيع الحقائب والقطاعات الوزارية بأسلوب يحقق التكامل ويمنع التنافر بين الوزارات الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى تحدي ضمان الانسجام الحكومي الميداني والتوفيق بين “سرعة الريادة والاستثمار” فضلا عن تحدي تدبير الاختلافات الداخلية وتعزيز التناغم التنظيمي بين أربعة أحزاب تتفاوت مرجعياتها وهياكلها التنظيمية.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي إدريس قصوري أن المرحلة الحالية تمثل منعطفا حاسما في مسار التشكيل الحكومي، حيث انتقل النقاش من منطق المشاورات الموسعة إلى وضع الهندسة التفصيلية للتحالف الرباعي.

وأبرز قصوري من خلال تصريح خص به ” بلبريس” أن توزيع القطاعات الوزارية يراهن عليه لمنع التنافر الحكومي، معتبرا أن إسناد قطاعات الاقتصاد والمالية والعدل والإسكان لحزب الأصالة والمعاصرة، والتجهيز والماء والتجارة والصناعة لحزب الاستقلال، يعكس توجها لتكفل كل طرف بقطاعات متجانسة يُدبرها وفق رؤيته وتحت مسؤوليته المباشرة.

وأكد المحلل السياسي أن النجاح الفعلي لهذه الهندسة الحكومية يظل مشروطا بالدعم المالي والسياسي الموجه للقطاعات الاجتماعية؛ مشيرا إلى أن وزارات الصحة والتعليم والتشغيل المسنودة لأحزاب الكتلة تعاني من تآكل واحتياجات تراكمت لسنوات.

ولفت قصوري إلى أنه في حال عدم منح هذه المجالات الأولوية المطلقة والإمكانيات الكفيلة بتدارك العجز المباشر، فإن التشكيلة الحكومية ستتحول إلى مجرد “هيكلة شكلية” تفتقر إلى المعنى والمضمون الحقيقيين.

وفي السياق ذاته، أوضح المتحدث أن تحقيق فعالية الميزانية يتطلب إرساء آليات صارمة للمراقبة وترشيد الإنفاق العمومي، لضبط الفضاء التجاري والاقتصادي والخدماتي، والقطع مع الممارسات التدبيرية التي طبعت المرحلة السابقة.

وعلى المستوى السياسي، سجل قصوري أن مفهوم “تغيير المسار” لايجب إطلاقا الانقلاب على المكتسبات أو الأوراش الاستثمارية الكبرى التي انخرطت فيها المملكة، بل يجب أن يكمن في “إعادة ضبط العلاقة” بين شقين متوازيين؛ عبر تطعيم المبادرات الاقتصادية بالبعد الاجتماعي، مضيفا أن التحدي الأساسي يكمن في معالجة التفاوت الحاصل بين سرعتين: سرعة المشاريع الاستثمارية والريادية، وسرعة الخدمات الوظيفية الأساسية كالصحة والتعليم والتشغيل وغلاء الأسعار، استجابة للتوجهات الملكية السامية.

وحذر المحلل السياسي من الاكتفاء بإدراج المكونات الاجتماعية والسياسية كواجهة “لضر الرماد في العيون” أو للتغطية على النهج السابق؛ مبرزا أن انتظارات الشارع تتطلع إلى تغيير جوهري في السياسات العمومية وليس فقط تغيير الوجوه والأحزاب.

ولفت ادريس قصوري إلى أن صياغة هذه السياسات تتطلب قلب المعادلة بالانتقال من النموذج الفوقي الذي يعتمد على النخبة إلى النموذج الاجتماعي النابع من القاعدة والفاعلين الميدانيين، استنادا إلى تشخيصات ومخرجات النموذج التنموي الجديد.

أما بخصوص تدبير الاختلافات الداخلية والانسجام الحزبي، فقد أكد إدريس قصوري أن التلاقي الهوياتي والتاريخي بين مكونات التحالف يقلل من فرص الصدام التنظيمي؛ لافتا إلى أن القيادة الحالية لحزب الأصالة والمعاصرة تحمل جذورا ومرجعيات تنتمي إلى اليسار والديمقراطية الاجتماعية، مما يسهل خيوط التواصل والانسجام مع كل من الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال.

وخلص قصوري تحليله بالتأكيد على أن الممارسة الميدانية تبقى هي المحك الفعلي والمحدد الرئيسي لنجاح هذه التجربة؛ مشددا على ضرورة تجنب الإخفاقات والتجاوزات التي شهدتها الحكومة السابقة نتيجة الانفراد بالقرار وهيمنة منطق “الباطرونا” على حساب المرفق العمومي، معربا عن أمله في أن يستدرك التحالف الحكومي الجديد هذه الأخطاء ويترجم التوافق السياسي إلى نتائج ملموسة تُعيد التوازن المنشود للعمل الحكومي.

المقالات المرتبطة

لايوجد أي محتوى متوفر

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *