مرة أخرى، اختار النظام الجزائري أن يحمل إلى منبر الأمم المتحدة خطاباً سياسياً ينتمي إلى الماضي، وكأن الزمن توقف عند حدود الشعارات التي ظلت الجزائر ترددها لعقود بشأن الصحراء المغربية. فقد ظهر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، محملاً بالعبارات الخشبية ذاتها، محاولاً إقناع العالم بأن الوقائع يمكن أن تُمحى بالكلمات، وأن التحولات الدولية يمكن تجاوزها بخطاب مكرر عن «تقرير المصير» و«تصفية الاستعمار».
غير أن مداخلة عطاف كشفت، أكثر مما أخفت، حجم المأزق الذي بات يطوق الدبلوماسية الجزائرية، بعدما وجدت نفسها أمام مسار دولي يتغير، وواقع ميداني يتقدم، ومقاربة سياسية تتبلور، بينما لا يزال خطاب قصر المرادية عالقاً في قاموس سياسي استنفد قدرته على الإقناع.
فبدل أن تقدم الجزائر تصوراً عملياً لإنهاء نزاع عمر أكثر من خمسة عقود، عاد عطاف إلى اجترار المواقف نفسها، متحدثاً عن رفض «الإملاءات والمساومات»، وعن ضرورة إجراء مفاوضات «بحسن نية»، وعن حق تقرير المصير، في محاولة واضحة لإعادة تدوير خطاب لم يعد قادراً على إخفاء السؤال الأكبر: لماذا تصر الجزائر على إبقاء هذا النزاع مفتوحاً، إذا كانت فعلاً تبحث عن حل سياسي عادل ودائم؟
اختار عطاف مهاجمة ما سماه «منطق الأمر الواقع»، وكأن الجزائر لا تدرك أن الواقع السياسي والدبلوماسي للملف تغير بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة. فالمغرب لم يعد يتعامل مع قضية صحرائه بمنطق البيانات والخطب، وإنما عبر مسار متكامل يجمع بين الدبلوماسية والتنمية وتثبيت المؤسسات وتعزيز الحضور الدولي للأقاليم الجنوبية.
وفي المقابل، لا تزال الجزائر تحاول استنساخ الخطاب نفسه، وتقديم نفسها في صورة الطرف الذي لا علاقة له بالنزاع سوى التعاطف مع «الشعب الصحراوي»، رغم أن موقفها السياسي المعلن يتجاوز بكثير موقع الجار أو المراقب.
فحتى في خطابه الأخير، لم يكتف عطاف بالدفاع عن تقرير المصير، بل ذهب إلى حد تقديم جبهة البوليساريو باعتبارها «الممثل الشرعي والوحيد»، في إعادة واضحة لإنتاج الرواية الجزائرية الرسمية حول النزاع.
وهنا يبرز التناقض الفاضح: كيف يمكن للجزائر أن تتحدث عن الحياد والبحث عن التسوية، وهي في الوقت نفسه تتبنى بشكل صريح مواقف طرف واحد في النزاع وتضع ثقل دبلوماسيتها خلفه؟
الأكثر إثارة في خطاب عطاف هو محاولة إعادة تقديم الجزائر باعتبارها مجرد دولة مجاورة حريصة على «حق تقرير المصير»، في حين أن الوقائع السياسية المعروفة تجعل من الصعب فصل الجزائر عن هذا النزاع.
فالجزائر هي التي تستضيف مخيمات تندوف منذ عقود، وهي التي تعلن دعمها السياسي للبوليساريو، وهي التي تجعل من القضية محوراً ثابتاً في خطابها الخارجي، بل إن عطاف نفسه جعل من دعم الجبهة والدفاع عن أطروحتها جزءاً أساسياً من مداخلته أمام الجمعية العامة.
ومع ذلك، يحاول النظام الجزائري باستمرار الظهور بمظهر «الوسيط» أو «الملاحظ المتعاطف»، في مناورة سياسية مكشوفة هدفها التنصل من المسؤولية عن استمرار النزاع.
والأغرب أن الجزائر تتحدث عن ضرورة احترام إرادة سكان الصحراء، بينما يستمر الجدل الدولي حول وضعية سكان مخيمات تندوف وحول ضرورة معرفة عددهم الحقيقي، وحول ضمان حقهم في الاختيار بعيداً عن أي ضغط سياسي أو عسكري.
فأي تقرير للمصير هذا الذي تتحدث عنه الجزائر، إذا كانت ساكنة المخيمات نفسها تعيش منذ عقود في فضاء مغلق، فيما تتحول قضيتها إلى ورقة دبلوماسية جاهزة للاستعمال كلما احتاج النظام الجزائري إلى مهاجمة المغرب؟
ويبدو أن عقدة الدبلوماسية الجزائرية الأساسية تكمن اليوم في التطورات التي عرفها المسار الأممي، وفي مقدمتها القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في أكتوبر 2025، والذي جدد دعم العملية السياسية ودعا إلى مواصلة المشاورات مع المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، مع الدفع نحو حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.
ورغم أن القرار لا يلغي مبدأ تقرير المصير الوارد في قرارات مجلس الأمن، فإن مجرد انتقال النقاش الدولي إلى مرحلة جديدة، وتكثيف التحركات السياسية حول مقترح الحكم الذاتي المغربي، وضع الخطاب الجزائري أمام اختبار حقيقي.
ولهذا اختار عطاف أن يقفز فوق التحولات التي لا تخدم الرواية الجزائرية، وأن يعيد الحديث عن «تصفية الاستعمار» وكأن شيئاً لم يتغير.
إنها ليست قوة موقف، بقدر ما تبدو محاولة يائسة للحفاظ على خطاب سياسي بدأ يفقد مساحته في النقاش الدولي.
فالقرارات الأممية لا تُقرأ وفق ما ترغب الجزائر في سماعه، وإنما ضمن سياقها الكامل، كما أن المسار السياسي لا يمكن تجميده عند نقطة زمنية تناسب خطاب قصر المرادية.
وإذا كانت الجزائر تتحدث باستمرار باسم سكان الأقاليم الجنوبية، فإن الواقع الانتخابي المغربي يقدم معطيات لا يمكن تجاهلها.
ففي الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، سجلت الأقاليم الجنوبية نسب مشاركة مرتفعة بشكل لافت، بلغت نحو 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، و53,48 في المائة بجهة كلميم واد نون، مقابل معدل وطني بلغ 38,02 في المائة.
وهذه الأرقام ليست مجرد نسب انتخابية عابرة، بل تعكس مستوى من الانخراط المؤسساتي لسكان الأقاليم الجنوبية في الحياة السياسية المغربية، حيث يتوجه المواطنون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم والمشاركة في تدبير المؤسسات المنتخبة.
بل إن هذا الحضور الانتخابي ليس وليد استحقاق واحد، وإنما امتداد لمسار طويل سجلت خلاله المنطقة نسب مشاركة مهمة في محطات انتخابية سابقة، بما يؤكد استمرار الاندماج المؤسساتي والسياسي للأقاليم الجنوبية داخل المملكة.
وهنا تحديداً تصطدم الدعاية الجزائرية بحقيقة يصعب دفنها تحت ركام الخطب: سكان الأقاليم الجنوبية يشاركون في الانتخابات، ينتخبون ممثليهم، وينخرطون في المؤسسات المغربية، بينما تواصل الجزائر الحديث من الخارج باسمهم.
أما الحديث الجزائري عن «اللاجئين الصحراويين»، فقد أصبح بدوره جزءاً ثابتاً من آلة الدعاية الرسمية، دون أن تقدم الجزائر إجابات مقنعة عن أسئلة جوهرية مرتبطة بوضعية مخيمات تندوف.
فقد عاد عطاف إلى الحديث عن هؤلاء السكان باعتبارهم ضحية «احتلال»، متجاهلاً أن المخيمات توجد فوق التراب الجزائري، وأن استمرار هذا الوضع لأكثر من نصف قرن يطرح أسئلة حقيقية حول المسؤولية السياسية والإنسانية عن إبقاء أجيال كاملة في وضعية انتظار مفتوح.
لقد تحولت قضية سكان المخيمات، في الخطاب الجزائري، إلى ورقة سياسية جاهزة للاستهلاك في المحافل الدولية، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقاً: متى تنتهي هذه المأساة الإنسانية؟ ومتى تتحول معاناة هؤلاء السكان من أداة في الصراع الجزائري المغربي إلى قضية إنسانية تستحق حلاً فعلياً؟
ولا تكتمل صورة الخطاب الجزائري من دون التوقف عند المفارقة الصارخة في علاقته بالولايات المتحدة.
فعلى المنابر الدولية، تصر الجزائر على خطاب تصادمي بشأن قضية الصحراء، وتنتقد أي مقاربة لا تنسجم مع تصورها، بينما تظل في الوقت نفسه حريصة على إبقاء قنواتها مفتوحة مع واشنطن، خصوصاً في ظل الدور الأمريكي المتزايد في الدفع بالمسار السياسي.
وفي هذا السياق، جاءت مباحثات أحمد عطاف مع مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس على هامش الجمعية العامة، بعدما كان الأخير قد أجرى مباحثات مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة.
وتكشف هذه التحركات أن الجزائر تدرك جيداً أن تجاهل واشنطن لم يعد خياراً ممكناً، وأن التطورات المرتبطة بالملف تمر أيضاً عبر قنوات أمريكية مؤثرة.
لكن المفارقة أن النظام الجزائري يريد في الوقت نفسه الحفاظ على خطاب التصعيد أمام الرأي العام الداخلي، وعلى خطاب مختلف عندما يتعلق الأمر بعلاقاته مع القوى الدولية المؤثرة.
في النهاية، لم تحمل مداخلة أحمد عطاف أمام الأمم المتحدة اختراقاً دبلوماسياً جديداً بقدر ما كشفت إصرار النظام الجزائري على إعادة إنتاج الأسطوانة نفسها.
لغة عن «تقرير المصير»، واتهامات بـ«فرض الأمر الواقع»، وتمجيد لدور البوليساريو، وحديث عن مخيمات تندوف، في وقت تتحرك فيه القضية داخل مسار دولي مختلف، وتتكثف فيه الاتصالات السياسية، وتتقدم فيه مقترحات الحل الواقعي، بينما تستمر الأقاليم الجنوبية في بناء مؤسساتها وتعزيز مسارها التنموي والسياسي.
لقد بدا عطاف وكأنه يحاول إقناع العالم بأن عقارب الساعة لم تتحرك، بينما الحقيقة أن الملف تحرك كثيراً، وأن الخطاب الجزائري هو الذي بقي في مكانه.
وبينما تنشغل الجزائر بإعادة تدوير مواقف عمرها عقود، يواصل المغرب تثبيت حضوره في أقاليمه الجنوبية عبر المؤسسات والتنمية والانتخابات والدبلوماسية.
وهنا تكمن المفارقة التي لا تستطيع خطابات عطاف، مهما ارتفعت نبرتها من منبر الأمم المتحدة، أن تحجبها: الجزائر ما تزال تحارب معركة الأمس، بينما الصحراء المغربية تعيش واقعاً سياسياً وتنموياً يتشكل أمام أعين العالم.