تبدو دائرة خريبكة في انتخابات 2026 أمام اختبار جديد لموازين القوى السياسية، بعدما أظهرت نتائج الاستحقاقين التشريعيين السابقين أن الخريطة الانتخابية المحلية قابلة للتغيير، وأن تصدر حزب ما للنتائج لا يعني بالضرورة احتفاظه بموقعه في الاستحقاق الموالي. ومع دخول أسماء جديدة إلى السباق على المقاعد البرلمانية الستة، تعود المنافسة في الدائرة إلى نقطة مفتوحة على أكثر من سيناريو.
وتكتسب انتخابات 2026 أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة النتائج التي أفرزتها خريبكة سنة 2021، حين توزعت المقاعد الستة على ستة أحزاب مختلفة، في مشهد عكس تعدد مراكز القوة وغياب أي هيمنة حزبية مطلقة. فقد تصدر التجمع الوطني للأحرار النتائج بـ22,708 أصوات، متبوعا بالأصالة والمعاصرة بـ18,811 صوتا، ثم الحركة الشعبية بـ17,227 صوتا، ليحصل كل حزب من هذه الأحزاب على مقعد واحد.
وعادت المقاعد الثلاثة الأخرى إلى حزب الاستقلال الذي جمع 16,326 صوتا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ15,576 صوتا، والتقدم والاشتراكية بـ11,940 صوتا، بمقعد واحد لكل حزب. وفاز بالمقاعد الستة كل من حميد العرشي، وخليفة مجيدي، وسعيد سرار، وامحمد الزكراني، والحبيب المالكي، وعبد الصمد خناني.
لكن أهمية نتائج 2021 لا تكمن فقط في أسماء الفائزين، وإنما في التحول الذي أحدثته مقارنة باستحقاق 2016. ففي تلك الانتخابات، كان العدالة والتنمية في صدارة المشهد بـ15,979 صوتا، متقدما بفارق محدود على الأصالة والمعاصرة الذي حصل على 15,888 صوتا، فيما جاء الاتحاد الاشتراكي ثالثا بـ10,168 صوتا.
وحصل الاتحاد الدستوري آنذاك على 8,996 صوتا، والاستقلال على 7,362 صوتا، بينما حل التجمع الوطني للأحرار سادسا بـ7,157 صوتا. ورغم اختلاف ترتيب القوى السياسية، انتهى السباق بمنح كل حزب من الأحزاب الستة الأولى مقعدا واحدا، ما جعل خريبكة في 2016 أيضا دائرة موزعة المقاعد وليست خاضعة لسيطرة لون سياسي واحد.
المفارقة ظهرت بوضوح عند مقارنة الأرقام بين الاستحقاقين. فقد تمكن التجمع الوطني للأحرار من رفع رصيده الانتخابي بأكثر من 11 ألف صوت، منتقلا من 7,157 صوتا في 2016 إلى 22,708 أصوات في 2021، بينما حقق حزب الاستقلال بدوره قفزة مهمة بلغت 5,661 صوتا.
في المقابل، تراجع رصيد الأصالة والمعاصرة بـ2,815 صوتا، في حين سجل الاتحاد الاشتراكي ارتفاعا محدودا بلغ 311 صوتا. وكان التحول الأكبر على مستوى الخريطة البرلمانية هو خروج العدالة والتنمية والاتحاد الدستوري من المقاعد الستة، مقابل صعود الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية إلى البرلمان بمقعد لكل منهما.
وتكشف هذه الأرقام أن المنافسة في خريبكة لا تحسمها بالضرورة المكانة الوطنية للأحزاب، بل يمكن للتحولات المحلية، وقوة المرشحين، وشبكات التعبئة الانتخابية، وقدرة التنظيمات على استقطاب الناخبين أن تعيد ترتيب المشهد خلال دورة انتخابية واحدة.
كما أن ارتفاع نسبة المشاركة بين الاستحقاقين يضيف عنصرا مهما إلى قراءة النتائج. ففي 2016 لم تتجاوز نسبة المشاركة 35.59 في المائة، مع 87,553 صوتا معبرا عنها من أصل 246,004 ناخبين مسجلين. وفي 2021 ارتفع عدد الأصوات المعبر عنها إلى 131,980 صوتا، فيما بلغ عدد المسجلين 260,933، لتصل نسبة المشاركة إلى 50.58 في المائة.
وبالتالي، فإن ارتفاع المشاركة بأكثر من 15 نقطة مئوية لم يكن مجرد تغير رقمي، بل ساهم في إعادة تشكيل قاعدة الأصوات التي تنافست عليها الأحزاب، وفتح المجال أمام قوى كانت بعيدة عن المراكز الأولى في 2016 للانتقال إلى صدارة النتائج خلال 2021.
أما انتخابات 2026، فتدخل الدائرة مرحلة جديدة مع عودة بعض الأسماء والأحزاب إلى المنافسة ومحاولة أخرى الحفاظ على مواقعها، بالتوازي مع بروز مرشحين جدد. وتظهر الترشيحات المعلنة حضور التجمع الوطني للأحرار عبر حميد العرشي، والأصالة والمعاصرة عبر خليفة مجيدي، والاستقلال عبر امحمد الزكراني.
كما يخوض الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية السباق بعبد الإله العلافي، في وقت يحاول فيه العدالة والتنمية استعادة حضوره من خلال بوعبيد كبوري، بينما ينافس الاتحاد الدستوري بعبد الصمد خناني.
ويشارك في السباق أيضا التقدم والاشتراكية بعلال البصراوي، وتحالف اليسار بعبد العزيز متوكل، إلى جانب العابد العمراني المليدوي عن الحركة الديمقراطية والاجتماعية.
وتحمل عودة العدالة والتنمية والاتحاد الدستوري إلى دائرة المنافسة دلالة سياسية مهمة، خصوصا أن الحزبين فقدا مقعديهما في 2021 بعدما كان كل واحد منهما ممثلا في البرلمان خلال 2016. ومن ثم، فإن أحد أبرز الأسئلة التي تطرحها انتخابات 2026 يتمثل في قدرة الحزبين على استعادة المساحة التي فقداها، أم أن النتائج السابقة تعكس تحولا أكثر عمقا في سلوك الناخبين داخل الدائرة.
وفي المقابل، يجد التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام مهمة مختلفة: الدفاع عن الصدارة التي حققها في 2021، بعدما انتقل من المرتبة السادسة في 2016 إلى المركز الأول بفارق واضح عن أقرب منافسيه. وسيكون أداء الحزب في 2026 مؤشرا مهما على مدى قدرته على تحويل نتيجة سابقة قوية إلى حضور انتخابي مستدام.
أما الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، فتدخل الانتخابات وهي تحمل تجربة الاحتفاظ بالمقاعد عبر أكثر من استحقاق، بينما يراهن الحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية على تكرار إنجاز 2021 وتثبيت وجودهما داخل الدائرة.
وتبدو المعركة، في ضوء هذه المعطيات، مفتوحة على إعادة توزيع المقاعد أكثر من كونها سباقا بسيطا نحو المركز الأول. فالمعادلة التي فرضتها خريبكة خلال 2016 و2021 تقوم أساسا على توزيع المقاعد بين عدة قوى، وهو ما يجعل الحصول على المرتبة الأولى في عدد الأصوات لا يضمن بالضرورة احتكار التمثيلية البرلمانية.
كما أن دخول وجوه جديدة إلى المنافسة قد يضيف عاملا آخر إلى الحسابات الانتخابية، خصوصا في دائرة لا تبدو فيها الفوارق بين عدد من القوى ثابتة على المدى الطويل. فالتحول من نتائج 2016 إلى 2021 أظهر أن تغير ترتيب الأحزاب يمكن أن يكون كبيرا خلال خمس سنوات فقط.
وعليه، فإن انتخابات 2026 ستختبر ثلاثة رهانات أساسية في خريبكة: قدرة أصحاب المقاعد الحالية على الحفاظ عليها، وإمكانية عودة أحزاب خرجت من البرلمان إلى الواجهة، ومدى تأثير المرشحين الجدد في توزيع الأصوات.
وبينما تبدو أحزاب الأغلبية في موقع يسمح لها بالدفاع عن النتائج التي حققتها في الاستحقاق السابق، فإن المعارضة والقوى التي فقدت مقاعدها ستدخل السباق بحثا عن قلب المعادلة. وفي دائرة لا يتجاوز عدد مقاعدها ستة، قد يكون الفارق بين الفوز والخسارة مرتبطا بتحولات محدودة في الأصوات، وهو ما يجعل كل حزب أمام معركة تعبئة دقيقة لا مجال فيها لافتراض أن نتائج 2021 ستتكرر بالضرورة.
هكذا تتحول خريبكة في انتخابات 2026 إلى واحدة من الدوائر التي تستحق المتابعة، ليس فقط لمعرفة الحزب الذي سيتصدر النتائج، وإنما لمعرفة ما إذا كانت الخريطة التي تشكلت في 2021 ستصمد، أم أن صناديق الاقتراع ستعيد توزيع المقاعد الستة وتكشف عن موازين سياسية جديدة داخل الدائرة.