تشهد الدبلوماسية الإقليمية والدولية ديناميكية متسارعة تعيد رسم خريطة التحالفات الاستراتيجية والأمنية بين شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لا سيما في ظل التقاطعات الحساسة بين الملف الليبي والأمن الإقليمي المغاربي وأمن الملاحة الحيوية في باب المندب والبحر الأحمر.
وفي خضم هذه التحولات الجيوسياسية المعقدة، تبرز زيارة قيادة الجيش الوطني الليبي إلى الرباط في أكتوبر 2026 كمحطة بارزة تتجاوز في أبعادها الدبلوماسية التقليدية لتربط بين توازنات الجوار الجزائري ومستقبل الاستقرار في المضائق البحرية الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، أوضح المحلل السياسي والخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية الدكتور عبد الرحمان مكاوي، أن زيارة حفتر إلى الرباط المقررة بين 12 و15 أكتوبر 2026 تحمل رسائل متعددة الأبعاد، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تمثل في عمقها زيارة يمنية وجزائرية متنكرة في زيارة ليبية.
وأكد مكاوي في تصريح خص به “بلبريس” أن توقيت الاستقبال يأتي في نفس الشهر الذي شهد توترا في العلاقات بين الجزائر وأبوظبي، موضحا أن المغرب يوجه رسالة ضمنية مفادها التموقع في محور الاستقرار وعدم الانخراط في المحاور المعادية لدولة الإمارات، مع الحفاظ على عقيدته الدبلوماسية الثابتة المستندة إلى مرجعيتي الصخيرات وبوزنيقة باعتبارهما المنصتين الوحيدتين لتجميع الفرقاء الليبيين بمعزل عن التدخلات الخارجية.
وأشار الخبير العسكري إلى أن الأثر المتوقع على الجزائر يظل محصورا في إطار الاحتجاج الإعلامي، مستبعدا إمكانية قطع الجزائر لجسور التواصل مع الرباط في الملف الليبي، نظرا لحاجة الجزائر الملحة للقناة المغربية لتفادي تحول الشرق الليبي إلى قاعدة خلفية مقلقة لأمنها القومي، ما يجعل الزيارة ورقة ضغط مغربية غير مباشرة.
وأضاف مكاوي أن الرابط بين اليمن وليبيا يبدو مباشرا من خلال النماذج العسكرية المتشابهة، مبينا أن بحث أبوظبي عن بدائل استراتيجية لإعادة التموقع بعد التغيرات الميدانية في اليمن يفتح الباب أمام دور مغربي ثلاثي الأبعاد في باب المندب يتمثل في تقديم مخرج مشرف للإمارات عبر شريك عربي في الشرق الليبي، وتأمين الطريق الغربي لشبكات التسليح والمسيرات عبر التعاون المشترك لمراقبة ممر دارفور والكفرة، فضلا عن إرسال إشارة قوية لطهران بتشكيل محور إقليمي يربط الرباط بأبوظبي والقاهرة وبنغازي لحماية أمن المضائق.
وخلص المحلل العسكري عبد الرحمان مكاوي بالتأكيد على أن زيارة حفتر تؤكد موقع المغرب كدولة محور للمضائق تربط بين جبل طارق غربا وباب المندب شرقا، لافتا إلى أن الاختبار القادم يكمن في مدى توجه المؤسسة العسكرية المغربية نحو تعزيز التعاون الأكاديمي والعسكري مع الجيش الوطني الليبي عبر برامج تكوين الضباط في أكاديمية مكناس على غرار النماذج الموجهة لضباط الساحل الغربي اليمني، بما يضمن إغلاق الحلقة الاستراتيجية لتأمين الملاحة البحرية الدولية دون إطلاق نار طرف على آخر.