دخلت العلاقات الجزائرية الإماراتية مرحلة جديدة من التوتر، في تطور يضع المغرب أمام مشهد إقليمي أكثر تعقيداً، تتداخل فيه حسابات الساحل مع التنافس على النفوذ في شمال وغرب إفريقيا. وترى مجلة «جون أفريك» أن الرباط قد تجد نفسها أمام إعادة ترتيب محتملة للتحالفات والأدوار، خصوصاً في ظل التقارب الاستراتيجي الذي يجمعها بأبوظبي وعودة الجزائر إلى التحرك بقوة في محيطها الإقليمي.
وتبرز الإمارات، وفق المجلة، باعتبارها أحد أبرز حلفاء المغرب، في وقت تنظر إليها الجزائر باعتبارها قوة إقليمية تتحرك في ساحات قريبة من حدودها. ويقول إبراهيم أومانسور، مدير مرصد المغرب العربي في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، إن هذا التقارب بين أبوظبي والرباط يغذي لدى الجزائر ما وصفه بـ«شعور بالحصار».
وتستند هذه النظرة الجزائرية إلى مواقف إماراتية معلنة تجاه قضية الصحراء، إذ كانت أبوظبي في عام 2020 أول دولة عربية تفتتح قنصلية في العيون، كما تزامن ذلك مع تطبيع العلاقات بين الإمارات وإسرائيل ثم المغرب. غير أن القلق الجزائري، بحسب «جون أفريك»، لا يرتبط فقط بهذه الملفات، وإنما يمتد إلى طبيعة التحركات الإماراتية في عدد من بؤر التوتر الإفريقية والعربية.
وتشير المجلة إلى الدور الإماراتي في ليبيا والسودان، حيث اتُهمت أبوظبي بدعم أطراف عسكرية متنافسة، وهي اتهامات تنفيها الإمارات. كما استندت منظمة العفو الدولية إلى معطيات بشأن أسلحة ومعدات صينية قالت إنها أعيد تصديرها عبر الإمارات واستُخدمت من طرف قوات الدعم السريع في السودان.
وفي يناير 2025، خلصت الولايات المتحدة إلى أن قوات الدعم السريع والميليشيات العربية المتحالفة معها ارتكبت إبادة جماعية، بينما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركات موجودة في الإمارات، على خلفية اتهامات بتمويل القوات أو تزويدها بالأسلحة.
وتقول «جون أفريك» إن هذا الحضور الإماراتي المتزايد في ملفات المنطقة يتعارض مع المقاربة الجزائرية التقليدية القائمة على عدم التدخل، خصوصاً مع اقتراب تداعيات أزمات السودان وليبيا ومنطقة الساحل من الحدود الجزائرية. ويشير الباحث جلال حرشاوي، من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إلى امتداد خطوط التوتر من السودان عبر تشاد وصولاً إلى النيجر.
وفي هذا السياق، بدأت الجزائر نفسها في توسيع نطاق تحركها الإقليمي. وينقل التقرير عن أومانسور قوله إن الجزائر لم تعد ترغب في الاكتفاء بمراقبة تدهور الأوضاع في الساحل، بعدما حدّت عقيدة عدم التدخل طويلاً من قدرتها على التحرك خارج حدودها.
أما المغرب، فتبدو مقاربته تجاه التحولات الإقليمية مختلفة عن المقاربة الإماراتية، وفق التحليلات التي أوردتها المجلة. فعلى الرغم من التحالف الوثيق بين الرباط وأبوظبي، فإن المغرب لم يساير الإمارات في جميع الملفات، وهو ما ظهر بوضوح في ليبيا، حيث اختارت الرباط دعم مسار سياسي قائم على الحوار بين الأطراف الليبية.
ومنذ اتفاق الصخيرات سنة 2015، حاول المغرب الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، في وقت كانت فيه الإمارات تدعم معسكر خليفة حفتر. وتقول الباحثة ياسمينة أبو الظهور، من جامعة برينستون، إن هذا التباين عكس اختلافاً في طبيعة المقاربة بين البلدين.
كما ظهر اختلاف المصالح في الملف اليمني. فبعد انضمام المغرب إلى التحالف الذي قادته السعودية والإمارات سنة 2015، تراجعت مشاركته تدريجياً قبل الانسحاب من التحالف سنة 2019، بعد إسقاط طائرة «إف-16» مغربية.
وتستعرض «جون أفريك» ملفات أخرى شهدت تراجعاً في النفوذ الإماراتي أو تغيراً في طبيعة التحالفات، من ليبيا إلى السودان والصومال، لتخلص إلى أن الحضور المالي والعسكري الكبير لأبوظبي لم يؤد دائماً إلى بناء شراكات مستقرة وطويلة الأمد.
في المقابل، تعتمد الرباط في تحركها داخل منطقة الساحل وغرب إفريقيا على أدوات مختلفة، من بينها العلاقات الاقتصادية، والتعاون الديني، والمبادرة الأطلسية التي تسعى إلى منح دول الساحل غير الساحلية منفذاً نحو المحيط الأطلسي عبر الموانئ والبنية التحتية المغربية.
ويكتسب هذا التوجه بعداً اقتصادياً إضافياً مع التقارب المغربي الإماراتي. ففي سنة 2023، وقع البلدان عدداً من الاتفاقيات الاستثمارية التي شملت قطاعات ومشاريع استراتيجية، من بينها الموانئ ومشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، بما يعزز الحضور الاقتصادي المغربي في غرب إفريقيا.
وتكتسب القطيعة بين الجزائر وأبوظبي أهمية بالنسبة إلى الرباط، وفق «جون أفريك»، لأنها تتزامن مع سعي الجزائر إلى استعادة حضورها الإقليمي بعد سنوات شهدت توتراً في علاقاتها مع عدد من دول الساحل، ولا سيما مالي. وفي المقابل، راكم المغرب خلال الفترة نفسها علاقات اقتصادية ودبلوماسية متنامية في المنطقة.
ويبرز بذلك مساران متوازيان في التعامل مع دول الساحل. فالرباط تراهن على الروابط الاقتصادية والبنية التحتية والانفتاح الأطلسي، بينما تستند الجزائر إلى موقعها الجغرافي، وشبكات الطاقة، وقدراتها الأمنية وعلاقاتها التاريخية مع دول المنطقة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يؤدي استمرار التقارب المغربي الإماراتي إلى تعزيز تمويل عدد من المشاريع المغربية في إفريقيا، في وقت قد تدفع فيه القطيعة الجزائرية الإماراتية أبوظبي إلى إعادة ترتيب شراكاتها الإقليمية. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة انتقالاً آلياً إلى مواجهة مباشرة، خصوصاً أن طبيعة المصالح بين الجزائر والإمارات لا تقوم على درجة مرتفعة من الاعتماد المتبادل.
ويقول أومانسور إن الخلاف بين البلدين يبدو أقرب إلى «موقف سياسي» منه إلى إجراءات تهدف إلى إحداث ضرر اقتصادي مباشر، ما يترك الباب مفتوحاً أمام إعادة تشكيل العلاقات والتحالفات وفق تطورات الملفات الإقليمية.
وتبقى واشنطن أحد أبرز العوامل المؤثرة في هذه المعادلة. فالولايات المتحدة تدعم خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية وتحافظ على شراكة عسكرية مع الرباط، لكنها في الوقت نفسه تعمل على تعزيز تعاونها الأمني مع الجزائر.
وبذلك، لا تبدو القطيعة الجزائرية الإماراتية مجرد خلاف ثنائي، بل تطوراً يتقاطع مع تنافس أوسع على النفوذ في الساحل وغرب إفريقيا، حيث يتحرك المغرب والجزائر وفق مقاربتين مختلفتين، بينما تحاول القوى الإقليمية والدولية إعادة ضبط علاقاتها بما يتناسب مع التحولات المتسارعة في المنطقة.