وفي هذا الإطار، كشفت مجلة «جون أفريك» الفرنسية أن لكويرة عادت لتثير اهتماماً في موريتانيا، مشيرة إلى بروز مطالبات بالاعتراف بالسيادة الموريتانية على المدينة، وهو ما يعيد طرح تساؤلات بشأن الحدود التي رسمتها الاتفاقيات الاستعمارية بين فرنسا وإسبانيا، والمواقف التي تبنتها نواكشوط خلال المراحل السابقة من النزاع حول الصحراء المغربية.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة في ضوء الرمزية الوطنية التي يحملها شعار «من طنجة إلى لكويرة» لدى المغاربة، باعتباره تعبيراً عن وحدة التراب الوطني. وترى المجلة الفرنسية أن العلاقات بين الرباط ونواكشوط، في ما يتعلق بهذه المنطقة، لا يمكن فصلها عن الإرث التاريخي للنزاعات الحدودية التي خلفتها الحقبة الاستعمارية.
وتقع لكويرة غرب شبه جزيرة رأس نواذيبو، المعروفة سابقاً باسم رأس الأبيض، بالقرب من الحدود المغربية الموريتانية. وتمتد شبه الجزيرة من الشمال إلى الجنوب، فيما يفصل خط الحدود بين المجال المغربي غرباً والأراضي الموريتانية شرقاً، حيث توجد مدينة نواذيبو. وقد منح هذا الموقع المنطقة أهمية استراتيجية، جعلتها حاضرة في الحسابات الاستعمارية والسياسية التي شهدتها الصحراء منذ أواخر القرن التاسع عشر.
وتعود جذور الوضع التاريخي للمنطقة إلى الاتفاقيات التي أبرمتها فرنسا وإسبانيا لتحديد مناطق نفوذهما في شمال غرب إفريقيا. ففي سنة 1900، وقّع البلدان اتفاقاً بشأن الحدود في أقصى جنوب المجال المغربي، أعقبه اتفاق باريس سنة 1904، ثم اتفاق مدريد سنة 1912، وهي اتفاقيات أسهمت في ترسيم الحدود المرتبطة بالمستعمرات الإسبانية في الصحراء.
وتوضح الباحثة السياسية خديجة محسن فنان، في كتابها «الصحراء الغربية: رهانات نزاع إقليمي»، الصادر عن منشورات المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي سنة 1997، أن الوجود الإسباني في خليج وادي الذهب بدأ سنة 1884، عندما وضعت مدريد المنطقة تحت حمايتها، رغم المقاومة التي واجهتها من بعض القبائل المحلية. ولم تتحدد الحدود النهائية للمستعمرة إلا بين سنتي 1900 و1912، بموجب ثلاث معاهدات بين فرنسا وإسبانيا، فيما تأخر احتلال المناطق الداخلية إلى سنة 1934، بمساعدة عسكرية فرنسية.
وفي سنة 1885، عززت إسبانيا وجودها بإقامة حصن صغير وإرسال وحدة عسكرية إلى الداخلة، التي عُرفت خلال الحقبة الاستعمارية باسم «فيلا سيسنيروس». وأصبحت المدينة مركزاً رئيسياً في منطقة ريو دي أورو، إلى جانب الساقية الحمراء، ضمن مجال استعماري اكتسب أهمية استراتيجية بالنسبة إلى مدريد بسبب قربه من جزر الكناري.
أما لكويرة، المعروفة بالإسبانية باسم «لا غويرا»، فكانت من بين المواقع الساحلية التي سعت إسبانيا إلى تثبيت حضورها فيها، إلى جانب طرفاية والداخلة، عبر إقامة منشآت ومراكز تجارية. وارتبط ترسيخ الوجود الإسباني في المنطقة بالعقيد فرانسيسكو بنس، الذي تولى إدارة الصحراء الإسبانية بين سنتي 1904 و1925، وبسط سيطرته على طرفاية سنة 1916، قبل أن تتمكن القوات الإسبانية، في 30 نونبر 1920، من السيطرة على المركز التجاري في لكويرة.
وتكشف المعطيات التاريخية التي أوردها عالم الأنثروبولوجيا ألبرتو لوبيز بارغادوس، في مقال نشره ضمن الكتاب السنوي لشمال إفريقيا، أن المراكز الإسبانية في الداخلة ولكويرة ظلت محدودة الإمكانات والبنية التحتية، كما عانت العزلة عن المناطق الداخلية للمستعمرة. وكانت حركة الإداريين الإسبان خارج هذه المراكز محدودة، فيما ظل التواصل مع السكان المحليين مرتبطاً بدرجة كبيرة باستعداد هؤلاء للتعاون.
وفي سنة 1924، أُلحقت لكويرة نهائياً بمستعمرة ريو دي أورو الإسبانية. وبعد ذلك، قررت مدريد سنة 1958 تحويل ريو دي أورو والساقية الحمراء إلى مقاطعتين إسبانيتين، في سياق إعادة تنظيم إداري أعقب استقلال المغرب سنة 1956. وأصبحت المنطقتان ممثلتين في مجلسي البرلمان الإسباني، مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
غير أن التحولات الكبرى التي عرفتها الصحراء المغربية منذ سنة 1975 أعادت رسم المشهد السياسي والعسكري في المنطقة. ففي أعقاب وفاة الجنرال فرانكو وتنظيم الملك الحسن الثاني المسيرة الخضراء، وقّع المغرب وإسبانيا وموريتانيا، في 14 نونبر 1975، اتفاق مدريد الثلاثي المتعلق بالصحراء.
وينقل المؤرخ بيير فيرمران، في كتابه «تاريخ المغرب منذ الاستقلال»، الصادر عن دار لا ديكوفيرت سنة 2006، أن الاتفاق ارتبط بتوزيع إدارة الإقليم بين المغرب، الذي تولى منطقة الساقية الحمراء، وموريتانيا، التي تولت منطقة وادي الذهب، المعروفة سابقاً باسم ريو دي أورو. لكن هذه الترتيبات تزامنت مع تصاعد المواجهات المسلحة بين القوات المغربية والموريتانية وجبهة البوليساريو، التي خاضت حرباً ضد الطرفين.
وفي تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في 5 مارس 1976، وُصفت لكويرة بأنها معقل لجبهة البوليساريو، التي أقام مقاتلوها فيها نواة لإدارة مدنية. وأشار التقرير إلى أن موريتانيا دخلت في البداية في مفاوضات مع الجبهة، في ظل الروابط الاجتماعية والتاريخية التي تجمع السكان الصحراويين والموريتانيين.
ونقلت الصحيفة عن والي نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا، قوله إن الصحراويين والموريتانيين تجمعهم روابط تاريخية واجتماعية، وإنهم ينتمون إلى شعب واحد. كما اعتبر أن المواجهة في لكويرة ما كانت لتقع، بحسب تقديره، لولا إرسال جبهة البوليساريو مقاتلين من شمال الصحراء إلى المدينة.
ووفق التقرير نفسه، أرسلت موريتانيا، في 18 دجنبر 1976، نحو 400 جندي لشن هجوم على لكويرة، انتهى بهزيمة مقاتلي البوليساريو الموجودين فيها.
وبعد سنوات من الحرب واستنزاف قدراتها العسكرية، قررت موريتانيا سنة 1979 الانسحاب من النزاع والتخلي عن مطالباتها بمنطقة وادي الذهب. وفي 10 غشت من السنة نفسها، وقّعت نواكشوط اتفاق سلام مع جبهة البوليساريو في الجزائر، تخلت بموجبه عن مطالباتها الإقليمية في الصحراء.
ومن هذه الزاوية، تطرح «جون أفريك» تساؤلات بشأن المطالبات التي عادت إلى الظهور في موريتانيا بخصوص لكويرة، معتبرة أنها تستدعي استحضار الموقف الذي تبنته نواكشوط سنة 1979. وفي السياق ذاته، أشار الموقع الإخباري الموريتاني الناطق بالفرنسية «كريديم» إلى أن الجنرال الموريتاني السابق لبّات ولد المعيوف عبّر مؤخراً عن تحفظات بشأن المطالبات الإقليمية الجديدة المتعلقة بالمدينة.
ولا تحصر المجلة الفرنسية الاهتمام المتجدد بلكويرة في أبعاده التاريخية والحدودية، بل تربطه أيضاً بالمفاوضات الجارية بشأن التسوية السياسية لقضية الصحراء المغربية تحت رعاية الأمم المتحدة، وبالتوجه المغربي نحو تطوير الواجهة الأطلسية وتعزيز الربط بين الأقاليم الجنوبية وبقية مناطق المملكة.
وفي هذا السياق، أفادت «جون أفريك» بأن مستثمرين إماراتيين أبدوا اهتماماً متزايداً بمشاريع محتملة في لكويرة، في ظل الآفاق الاقتصادية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، الذي سيستضيفه المغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وتحدثت المجلة عن تصورات استثمارية ترمي إلى تحويل المدينة الساحلية الصغيرة، التي ارتبط تاريخها بنشاط الصيد، إلى مركز عمراني واقتصادي كبير، مستخدمة تعبير «دبي المغرب العربي» لوصف الطموحات المتداولة بشأن مستقبلها. غير أن هذه التصورات تظل، وفق ما نقلته المجلة، في إطار المشاريع المحتملة والآفاق الاستثمارية، ولا تعني بالضرورة دخولها حيز التنفيذ.
ويعيد هذا الاهتمام تسليط الضوء على الموقع الاستراتيجي للكويرة، المطل على المحيط الأطلسي، في مرحلة يتزايد فيها التركيز على تطوير البنية التحتية الساحلية وتعزيز الممرات التجارية واستقطاب الاستثمارات إلى المنطقة. كما يضع المدينة في قلب تقاطع بين الاعتبارات السياسية المرتبطة بقضية الصحراء المغربية والرهانات الاقتصادية التي ترافق التوجه نحو الواجهة الأطلسية.
وبين الإرث الاستعماري الذي أسهم في رسم الحدود، والتحولات التي أعقبت اتفاق مدريد، ثم تخلي موريتانيا عن مطالباتها الإقليمية سنة 1979، يظل ملف لكويرة مرتبطاً بتاريخ معقد من التفاهمات والمواجهات والتحولات الدبلوماسية. أما عودة المطالبات المتعلقة بها إلى النقاش، وفق ما أوردته «جون أفريك»، فتسلط الضوء مجدداً على حساسية القضايا الحدودية في المنطقة، وعلى تداخل الذاكرة التاريخية مع رهانات التنمية والاستثمار ومستقبل التسوية السياسية لقضية الصحراء المغربية.