في سياق إقليمي ودولي يتسم بالتحولات الجيو-سياسية المتسارعة، جاء قرار البرلمان الأوروبي الأخير والمتعلق بإدانة المغرب على خلفية أحداث سبتة ومحاولات الهجرة الجماعية ليفتح فصلا جديدا من السجال السياسي بين الرباط والمؤسسات الأوروبية.
هذا القرار، الذي أثار موجة من الاستياء والرفض في الأوساط المغربية الرسمية والأكاديمية، يعد في نظر المتابعين استغلالا أيديولوجيا وتوظيفا سياسيا للورقة الحقوقية والإنسانية لممارسة الضغط على المملكة المغربية، وتجاهلا صريحا للجهود الكبيرة التي تبذلها الرباط كشريك أساسي وضامن رئيسي للأمن والاستقرار في المنطقة المتوسطية والإفريقية.
وفي هذا الصدد، قدم الدكتور خالد الشيات، المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية، قراءة تفكيكية عميقة لخلفيات هذا القرار، وأبعاده السياسية، والدوافع الداخلية المتحكمة في الخطاب الأوروبي، مؤكدا على ضرورة إعادة تقييم وهيكلة الشراكة المغربية-الأوروبية على أصول عقلانية جديدة.
![]()
وأوضح الشيات من خلال تصريح خص به بلبريس، أن استخدام مصطلح “الإدانة” في الأدبيات الصادرة عن بعض المؤسسات الأوروبية يحمل في طياته قدرة كبيرة من المبالغة ولا يعكس واقع الحال؛ موضحا أن التحركات الأخيرة داخل المنظومة الأوروبية تخضع لأجندات ودوافع إسبانية بالخصوص.
وأكد الشيات أن هذا المسار يدخل ضمن نسق تدافعي داخلي في إسبانيا، ينبع أساسا من ضغوط أطراف اليمين التي تحاول الركوب على أحداث سبتة ومليلية لتوجيه ضربات للحكومة الإسبانية، وبناء عليه، تسعى الحكومة الإسبانية إلى طمأنة الرأي العام المحلي عبر استصدار مواقف وتفاعلات متشنجة داخل قبة الاتحاد الأوروبي، مما يجعل الحديث عن موقف متكامل وموحد باسم كافة المؤسسات الأوروبية أمرا مجانبا للدقة وفيه نوع من التهويل.
وفيما يتعلق بالبعد التاريخي والقانوني للوجود الإسباني في المدينتين المحتلتين، شدد المحلل السياسي على أنه من الناحية الموضوعية والتشريعية، لا يوجد أي معطى يمكنه تجنيس الاحتلال أو إسباغ الشرعية عليه، مهما ذهبت إسبانيا في مناوراتها. وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى أن التاريخ يؤكد أن الدول الاستعمارية عبر التاريخ كفرنسا في الجزائر أو غيرها من القوى القائمة بالاحتلال لم تعترف يوما بتصرفاتها الاستعمارية، بل ظلت تحاول دائما الهروب إلى الأمام والبحث عن الآليات والذرائع التي تضمن لها الإبقاء على الأمر الواقع.
وحول طبيعة العلاقات بين الطرفين، نبه خالد الشيات إلى أن السلوك الأوروبي الحالي ينطوي على “تبخيس” صريح لمنطق الشراكة مع المغرب، بالرغم من العلاقات المتينة والتاريخية التي تجمع المملكة بالعديد من الدول الأوروبية المحورية، وفي مقدمتها إسبانيا وفرنسا.
واعتبر المتحدث ذاته أن هذه التطورات تشكل حافزا ومعطى جديا يدفع المغرب نحو التفكير المستقبلي العقلاني والتدريجي في تفكيك هذه الشراكة الكلاسيكية، وعدم ربط المصالح المغربية الاستراتيجية الحيوية والتجارية بصورة مباشرة ومطلقة مع التكتل الأوروبي.
وأضاف الشيات أن التوجهات الأوروبية السلبية قد ترتد عكسيا على مصالح تلك الدول نفسها؛ إذ يمتلك المغرب خيارات جيو-سياسية واعدة كمنصة وقاطرة رئيسية للانفتاح على فضاءات أرحب، وفي مقدمتها منطقة الساحل والصحراء، وغرب إفريقيا، والواجهة الأطلسية لإفريقيا.
وخلص الخبير في العلاقات الدولية خالد الشيات من خلال تصريحه بالإشارة إلى أنه بالرغم من وجود كوابح وواقع اقتصادي واجتماعي فرضته الجغرافيا والوجود الكثيف للجالية المغربية في أوروبا، فإن المنطق والعقلانية الاستراتيجية يقتضيان المضي قدما في إعادة صياغة هذه العلاقات وتوزيع الشراكات بمرونة عالية ضمن منظومة تشاركية عالمية متوازنة، بما يضمن صيانة السيادة الوطنية ومنع أي تأثير سلبي على المسارات المستقبلية للمملكة المغربية.