أهم تحديات الانتخابات المقبلة نسبة المشاركة والثورة الرقمية

تواصلت أشغال الندوة العلمية الوطنية، التي نظمت بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط، والتي خصص اليوم الثاني من فعالياتها، المنعقد يوم الخميس الثاني والعشرين من يناير الجاري، لمناقشة أبرز القضايا المرتبطة بالتمثيل السياسي والمشاركة الانتخابية، والقواعد القانونية المؤطرة للعملية الديمقراطية، إضافة إلى دراسة الأبعاد التقنية والتكنولوجية والرقابية المتعلقة بالانتخابات في المغرب.

وشكلت إشكالية العلاقة بين الانتخابات والتمثيل السياسي، محورا مركزيا في مداخلات المشاركين، حيث ركز الخبراء على قدرة المنظومة الانتخابية الحالية على ترجمة إرادة المواطنين إلى مؤسسات منتخبة، تتمتع بالمصداقية والثقة، ومدى استجابتها للتحولات التي يعرفها المشهد الحزبي المغربي، وأوضح المتدخلون أن فعالية العملية الديمقراطية لا تقتصر على سلامة الإجراءات التقنية أو انتظام التصويت، بل تعتمد أساسا على مدى تمثيلها الفعلي لمختلف مكونات المجتمع، وعلى قدرة الناخبين على المشاركة الفعلية في العملية السياسية.

كما توقفت مداخلات الندوة عند دور القواعد الانتخابية في تشكيل السلوك السياسي للناخبين والفاعلين السياسيين، سواء من حيث أساليب التصويت، أو معايير الترشيح، أو توزيع المقاعد البرلمانية بين الأحزاب، وشدد المتدخلون على أن أي إصلاح انتخابي مستقبلي ينبغي أن يراعي تحفيز المشاركة المواطنة، وضمان العدالة التمثيلية، وتجنب مظاهر العزوف السياسي أو التفكك الحزبي، مع ضرورة تعزيز الشفافية والمصداقية في إدارة الانتخابات.

وفي البعد القانوني والدستوري، تم التركيز على سؤال تخليق الحياة الانتخابية، من خلال تحليل حدود تقدير المشرع في وضع القوانين الانتخابية، مقابل الدور الرقابي الذي يقوم به القاضي الدستوري في مراقبة العملية الانتخابية والتعقيب على المخالفات المحتملة، واستحضر المشاركون القرار الدستوري رقم 259/25 كمثال حي على كيفية ضبط الاختصاصات القضائية لضمان نزاهة الانتخابات وحماية الاختيار الحر للناخبين، وأكد الخبراء أن توسيع صلاحيات الرقابة القضائية يجب أن يكون متوازنا مع احترام سيادة المشرع وإجراءات تنظيم الانتخابات، لتحقيق التوازن بين حرية الممارسة الديمقراطية وضمان نزاهة النتائج.

كما حضر البعد الرقمي والتكنولوجي بقوة ضمن نقاشات الندوة، حيث تم تسليط الضوء على الدور المتزايد للخوارزميات في إدارة الحملات الانتخابية، وإعادة هندسة العملية الانتخابية، وتحليل ديناميات التأثير السياسي داخل الفضاء الرقمي، وأوضح الخبراء أن استخدام التكنولوجيا الرقمية يمكن أن يكون سلاحا ذو حدين، فهو يسهل وصول المعلومات للمواطنين، لكنه في المقابل يفرض تحديات جديدة تتعلق بالشفافية، ومكافحة التضليل، وحماية البيانات الشخصية، وضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين.

وفي محور التمويل الانتخابي، ناقشت الندوة العلاقة بين التمويل الذاتي للمرشحين ودعم الدولة، وأهمية ضبط هذا الجانب لضمان تكافؤ الفرص، ورفع مستوى الشفافية، والحد من مظاهر الاستغلال المالي للعملية الانتخابية، وشدد المتدخلون على أن تنظيم الحملات الانتخابية وفق أسس قانونية واضحة ومحددة يسهم في تعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويكفل نتائج عادلة ومنصفة.

وعلى صعيد التحليل الاستراتيجي، قدم المشاركون تأملات معمقة في ثوابت السياسة الانتخابية المغربية، إلى جانب المتغيرات التي فرضتها التحولات السياسية والقانونية والتكنولوجية، مشددين على أن المرحلة الراهنة تتطلب تفكيرا استراتيجيا في تطوير المنظومة الانتخابية، بما يعزز المشاركة السياسية، ويكرس التمثيلية الحقيقية، ويقوي المسار الديمقراطي الوطني في مختلف مؤسساته.

كما تم التطرق إلى دور الإعلام والمجتمع المدني في مراقبة الانتخابات وتوعية الناخبين، وأهمية التعليم السياسي لتعزيز مشاركة الشباب والمواطنين بشكل عام، وتوفير المعلومات الدقيقة والشفافة حول المرشحين والقوانين الانتخابية، مع التركيز على أهمية تبني أدوات حديثة للتواصل الرقمي تضمن وصول المعلومات للمواطنين بطريقة متوازنة ودقيقة.

وفي ختام أشغال اليوم الثاني، شدد المشاركون على ضرورة تطوير المنظومة الانتخابية المغربية على مستويات متعددة، تشمل الإصلاح القانوني، وتنظيم الحملات الانتخابية، وتعزيز الرقابة القضائية، ومواكبة التحولات الرقمية، وإشراك المجتمع المدني والمواطنين في التشاور والرقابة، بما يضمن انتخابات نزيهة وشفافة، ويعزز الديمقراطية التمثيلية ويقوي مصداقية المؤسسات المنتخبة ويضمن استقرار المشهد السياسي.

وأكد الخبراء أن العمل على تطوير هذه المنظومة ليس خيارا بل ضرورة وطنية، لضمان أن تمثل الانتخابات وسيلة حقيقية لترجمة إرادة المواطنين، وتعزيز الديمقراطية في المغرب، وبناء مؤسسات قادرة على تلبية تطلعات المجتمع وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *