على هامش اللقاء التواصلي الذي نظمته الحركة الديمقراطية الاجتماعية، اليوم الخميس 27 غشت الجاري، قدم الحزب الخطوط العريضة لبرنامجه السياسي، تحت شعار «تنمية القرب»، في إطار تصور سياسي وتنموي يضع المواطن في قلب السياسات العمومية، وينطلق من الثوابت الدستورية والوطنية للمملكة، مستحضرا التحولات التي يعرفها المغرب وحاجته إلى نموذج تنموي أكثر عدالة وفعالية، قادر على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية والاستجابة للتحولات الاقتصادية والديموغرافية المتسارعة.
ويقوم البرنامج السياسي لحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية على رؤية متكاملة تعتبر أن التنمية لا يمكن أن تكون منفصلة عن الإصلاح السياسي، وأن بناء دولة اجتماعية قوية يمر بالضرورة عبر مؤسسات حزبية وبرلمانية أكثر نجاعة، وسياسات عمومية تقترب من المواطن وتستجيب لحاجاته اليومية، خصوصا في المجالات التي ما تزال تعرف تفاوتات واضحة بين مختلف جهات ومناطق المملكة.
وفي البعد السياسي، تنطلق الحركة الديمقراطية الاجتماعية من قناعة مفادها أن الأحزاب السياسية تشكل ركيزة أساسية لأي مسار ديمقراطي جاد، وأن نجاح البرامج والسياسات العمومية يظل مرتبطا بوجود أحزاب قوية ومسؤولة، قادرة على التواصل مع المواطنين بلغة واقعية، وعلى تقديم بدائل قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بالمزايدات السياسية والسجالات التي تضعف الثقة في العمل الحزبي.
ومن هذا المنطلق، يقترح الحزب ميثاقا جديدا للأحزاب السياسية، يروم إعادة الاعتبار للنخب السياسية واستعادة الثقة في المؤسسات الحزبية، من خلال الارتقاء بالممارسة السياسية وتعزيز المنافسة الشريفة والمسؤولة، بما يساهم في معالجة اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي وانتظارات المواطنين، وما يرتبط بذلك من مظاهر العزوف عن المشاركة السياسية.
ولا يتوقف التصور عند حدود العمل الحزبي، بل يمتد إلى المؤسسة التشريعية والدبلوماسية البرلمانية والحزبية، من خلال مقترحات ترمي إلى تجويد التشريع ورفع مستوى الأداء البرلماني، وتعزيز فعالية الدبلوماسية الحزبية والبرلمانية، بما يخدم المصالح العليا للمملكة ويواكب القضايا الوطنية والاستراتيجية.
أما على مستوى المجال القروي والعدالة المجالية، فيضع البرنامج السياسي للحركة تقليص الفوارق الترابية ضمن أولوياته، انطلاقا من ضرورة تحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف مناطق المملكة، ولا تجعل جودة الخدمات والبنيات الأساسية والفرص الاقتصادية رهينة بالمجال الجغرافي.
وفي هذا السياق، يركز التصور على البنية التحتية والتشغيل والخدمات الأساسية، مع إيلاء اهتمام خاص للشباب والنساء في العالم القروي، وتمكينهم من الولوج إلى الفرص الاقتصادية والاجتماعية وتوفير شروط العيش الكريم والاستقرار والتنمية المستدامة.
وفي البعد الاجتماعي والتنموي، تطرح الحركة مجموعة من التصورات المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل، إلى جانب الثقافة والصناعات الثقافية، باعتبارها مجالات لا تقتصر أهميتها على بعدها الاجتماعي، وإنما يمكن أن تشكل أيضًا رافعة للاقتصاد الوطني وخلق فرص جديدة للشغل والاستثمار.
كما يقوم البرنامج على البحث عن حلول عملية لتأهيل القطاعات الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، مع مراعاة التوازنات الاقتصادية ومصالح مختلف الفئات والقطاعات المنتجة، بما فيها الفلاحون والمنتجون، في محاولة لبناء مقاربة اجتماعية تحقق التوازن بين العدالة الاجتماعية ودينامية الاقتصاد الوطني.
وتبرز «أجندة 2031.. مغرب السرعة الواحدة» كأحد أبرز مكونات البرنامج السياسي الذي قدمته الحركة الديمقراطية الاجتماعية، إذ تسعى إلى تحويل مفهوم «مغرب السرعة الواحدة» من شعار سياسي إلى رؤية عملية تستشرف أولويات المرحلة المقبلة، وتربط بين مجموعة من الملفات الاستراتيجية ضمن تصور متكامل.
وفي مقدمة هذه الملفات تبرز السيادة الغذائية والسيادة الطاقية والسيادة المائية، باعتبارها عناصر أساسية في تعزيز قدرة المغرب على مواجهة التحولات الدولية والإقليمية، وحماية مصالحه الاستراتيجية، وضمان استدامة التنمية.
كما تتضمن الأجندة تصورات مرتبطة بصحة القرب، وإصلاح ورقمنة الإدارة، وتطوير مرونة التعليم، في إطار رؤية تسعى إلى جعل الخدمات العمومية أكثر قربًا من المواطن وأكثر سرعة وفعالية في الاستجابة لحاجاته.
ويحضر مفهوم «القرب» في مختلف محاور البرنامج باعتباره أكثر من مجرد اختيار في تدبير السياسات العمومية، بل مدخلا لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وجعل التنمية أكثر التصاقا بالواقع اليومي للمغاربة، سواء تعلق الأمر بالخدمات الصحية والتعليمية، أو بالإدارة، أو بفرص الشغل، أو بالعدالة المجالية.
ويضع الحزب في صلب تصوره كذلك قضية الصحراء المغربية، مستحضرا ما تحقق فيها من مكتسبات، ومؤكدا تموقعه في خدمة القضايا الوطنية والسياسية والتنموية للمملكة، في إطار الالتزام بالثوابت الوطنية والمسؤولية السياسية.
وبذلك، يقدم البرنامج السياسي للحركة الديمقراطية الاجتماعية رؤية تجمع بين الإصلاح السياسي والعدالة المجالية والدولة الاجتماعية والاستباق الاستراتيجي، وتتجاوز التدبير القطاعي المنفصل نحو تصور أكثر تكاملًا لمسار التنمية.
وفي جوهر هذه الرؤية، تبرز فكرة اختصار الزمن التنموي للمغرب، عبر الاستثمار في الإنسان، وتثمين قدراته، وتحسين شروط عيشه، وتقريب المؤسسات والخدمات منه ومن قضاياه اليومية، بما يجعل «تنمية القرب» مدخلا لإعادة تعريف التنمية باعتبارها فعلا ملموسا يقاس بمدى انعكاسه على حياة المواطن وقدرته على تحويل الطموحات الكبرى إلى نتائج محسوسة على أرض الواقع.
ومن هذا المنظور، يطرح الحزب ضمن برنامجه السياسي رهان الانتقال إلى «مغرب السرعة الواحدة»؛ مغرب تتكامل فيه العدالة المجالية مع الإصلاح السياسي، وتتقاطع فيه السيادة الوطنية مع الأمن الغذائي والمائي والطاقي، ويصبح فيه التحول الرقمي والإدارة والصحة والتعليم أدوات عملية لخدمة المواطن، في أفق أجندة 2031 التي تراهن على اختصار الزمن التنموي وبناء مغرب صاعد يثمن العنصر البشري ويجعل القرب من المواطن وقضاياه أساسا للفعل السياسي والتنموي.