تدخل المشاورات السياسية لرسم معالم الحكومة المرتقبة مرحلة حاسمة من الحسابات والتوازنات الدقيقة، حيث تتجه الأنظار نحو الكواليس التي تطبخ فيها سيناريوهات التحالف المقبل بين دقة الأرقام البرلمانية وضغط الشارع المغربي الداعي للتغيير. وفي ظل هذه الظرفية الوطنية الحساسة، تتشابك التحديات أمام الهندسة الحكومية الجديدة للتوفيق بين شرط الأغلبية والاستجابة لرهانات المرحلة، وهو ما يضع الخيارات المتاحة على محك الاختبار السياسي.
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي الدكتور ميلود بلقاضي أن رئيسة الحكومة المعينة، فاطمة الزهراء المنصوري، تقف أمام معادلة سياسية وحسابية معقدة لتشكيل الأغلبية الحكومية المرتقبة، مشيرا إلى أنه على الرغم من أن الاعتماد على الأحزاب الثلاثة المتصدرة يوفر أغلبية برلمانية مريحة، إلا أن إعادة إنتاج التحالف الحكومي السابق ستكلف المنصوري ثمنا سياسيا باهظا، لا سيما بعد الرسائل العقابية التي وجهها الشارع المغربي للحزب الذي ترأس الحكومة السابقة جراء تدبيره لملفات الغلاء وإخفاقه في إدارة القطاعات الاجتماعية الحيوية.
وأوضح بلقاضي من خلال برنامج بكل وضوح الذي يبث على قناة “بلبريس” أن التحدي لا يقتصر على حسابات المقاعد لتأمين ما لا يقل عن مائتي وخمسة نواب، بل يتعداه إلى مواجهة تشبث الأطراف السابقة بالحقائب الوزارية ذات البعد الاجتماعي والمالي، وهو ما قد يتعارض مع توجهات رئيسة الحكومة الراغبة في تغيير مسار التدبير.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتجه نحو إبعاد التجمع الوطني للأحرار مقابل بناء تحالف جديد يجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى جانب أحزاب الاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، وهو ما يمنح الحكومة المرتقبة خلطة سياسية متوازنة تعتمد على أحزاب الكتلة الوطنية لإحداث قطيعة مع منهجية وحكامة الفترة الماضية.
وأضاف بلقاضي أن بناء هذا التكتل يتطلب التغلب على تباين المرجعيات والأفكار الصريحة بين الأحزاب المشاركة، من خلال دمج برامجها الانتخابية في برنامج حكومي موحد ومصاغ بدقة يُقدم للتنصيب البرلماني طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور.
وخلص بلقاضي إلى أن عامل الوقت يشكل الحاسِم الأكبر أمام المنصوري لتجاوز صراعات توزيع الحقائب الوزارية وتقديم تشكيلة حكومتها النهائية قبل افتتاح البرلمان في العاشر من أكتوبر، بهدف مواجهة الرهانات الوطنية والدولية الحارقة بحكومة كفاءات سياسية قادرة على التواصل الفعال وإعادة الثقة للمواطن.