كلما تم استحضار الأستاذ “سعــدان” القادم من بيــادر الشاويـــة .. كلما أطـل الأستــاذ الكتكوت “حسنيــن” كما يطل هــلال العيــد .. ما بين الأستاذيــن مسافـة من الزمـن تمتـد لسنــوات .. تجربــة “سعــدان” حبلـى بالتجــارب والمواقف والأحــلام والميولات .. والحصيلــة شخصيـة ناضجـة ومسؤولــة .. بعيــدة كل البعــد عن كل إنــزلاق أو تهــور صبيـاني .. سعــدان مقتنــع تمــــام الإقتنــاع أن سنــه الأربعينيــة لا تسمــح له بأي فعـل أو سلــوك قـد يســئ إلـى سمعتـه ورصيـده وطموحاته الجامعيــة .. لكـن الأستــاذ “حسنيــن ” لا يــزال شابـا يافعـا يشـق مساره العملي بثبــات كما يشــق المحراث الخشبــي الأراضي الصلبــة .. ما بينــه وبين “سعــدان ” ما يفــرق البحـر والنهــر .. لكن رتابـــة الحياة داخل الأســوار .. وآهات الغـرف وضوضاء الأسـرة .. كلها أشيــاء طـوت عنـوة مسافـة الزمن الفارقــة بينهمــا .. وقربــت بينهما بشكل غريــب لا يجد له سليم وصفــا ولا تقديــرا .. وكأنهما حبيبيــن هائميـن جمعت بينهمـا سكــرة الهيـــام .. “سعـــدان ” إكتسح الخجـل باحة أفكــاره وسلوكــه .. لا يعتــرف بشـئ إسمه “الهيـام” بل ويحتــاط من هذا “الهيــام ” المجهــول .. أما “حسنيــن ” .. فيبــدو كسمكــة سرديــن أو سلمــون تسبــح بعنفــوان وأريحيــة في بحيــرات ” الهيــام” .. بدون خجـل ولا إرتبــاك ..
تعــود الكتكوت “حسنيــن ” كل صبــاح ومســاء .. أن ينـادي على “سعــدان” من الطابـق الأرضي بصــوت تشـم فيــه نفحــات الأطلــس .. ” سعــــدان .. سعـــدان”.. وما هي إلا هنيهــات حتى يطل عليه “سعــدان ” من الفــوق وكأنـه أسـد داعبـتــه نسائم الهــوى بعـد سبــات .. يقول له بصـوت ألطـف من الهواء العابـر : ” حسنيــن .. أنا جاي .. تسنانـي ..” .. ما هي إلا لحظات خاطفــة .. حتى ينــزل ” سعــدان ” من غرفتــه الفوقيــة .. ويصافـح ” حسنين ” .. وينطلقــا معـا في مضمـارهما اليومـي .. في إتجــاه مقهى ” دوزيـم ” بطريق سيـدي بوزيــد .. حيــث تعــودا أن يحتسيـا كل يــوم قهوتهما المفضلــة ..بعيــدا عن القاعـة الزرقــاء .. الأستاذ “حسنين” أو “الكتكــوت” كما يسميــه “سليمــــــان ” .. شاب في مقتبــل العمر .. وضع للتــو أقدامه على ضفــاف عقده الثالــت .. قصيــر القامة .. نحيــف البنيــة .. يرتــدي دومـا نظــارة طبيــة .. عينــاه غارقـتان في مسبــح الشوق والهيـام .. ينحــدر ” حسنيــن ” من بني مــلال أيقونــة الأطلــس ..
ترسم الابتسامـة قوســا على شفتيــه .. تنســاب كما تنســاب ميــاه عين أسردون من الأعالـي .. كلـه حيويــة ونشــاط وشــوق .. وكأن عين أســردون .. سلمته كل بركاتهــا .. رغــم صغــره وفتوتــه .. فهــو يستأسـد في قسمــه .. استطــاع أن يفــرض سلطتــه الرمزية على التلاميـــذ .. يزاوج بيــن الصرامة والجديــة .. تعــود أن يخاطبهــم بكلمات وجمـل لما أسمعهــا أهيـــم في بحــر من القهقــهات التي يصـل مــداها الى النافــورة الزرقـاء .. يقول لهــم بلكنــــة أطلسيــة ملاليــة : ” مال بوكم ما جتــوش الكتاب المدرسـي .. والله يا بوكم ليما بغــا يحشــم .. والديكـم ما جتــو والــو في الفــرض .. والله يا العفـاريت .. لي شديــتوا تاينقــل …” بهــذه الكلمات “الكوميكيــة ” استـأسـد الأستـاذ “حسنيــن ” .. وأضحى أميــر قسمه بامتيــاز .. في الآونــــة الأخيرة .. أعجـب ” حسنيــن ” بالسلطان سليمــان .. استهـــوته نسائم هيامــه .. تعــود أن يـــزوره و”سعــدان ” كل ليلـــة في غرفتــه السفليــة .. يرغبــان في بركاتــه .. بحثــا عن الشــوق الهارب .. والهيـــام العابــر .. “حسنيـــن ” ابن بني مــلال .. في جعبتـه ماستر في التاريـخ واجازة مهنيـة في الصحافــة .. يخطـو أولـى خطواتــه في مســاره المهنــي .. بشـوق وبشاشـة وحبــور .. خصوصيــات لا توازيهــاإلا ميـاه عين أسردون القادمـة من أعالـي الأطلــس …