غادر الأستاذ سليم والأستــاذة خديجـة قاعة الأساتذة بما فيها من حلوى وكعك وشاي .. لم يداعبا الحلوى والكعك ولم يقبلا كؤوس الشاي المنعنع إلا ببــرودة واحتشــام .. سحر”البورط فوليو ” كان يداعبهما كالطيــف ..إخترقا الساحـة الكئيبـة بصمت وثبــات .. في الطريــق أثار انتباههما الأستـاذ “مالك” نجم تساوت .. كان يقبل بحــرارة صنبــور النافـورة التي تتوسط الساحة كزهــرة فيحــاء في بيــداء .. كان مالك أو “المتيم رقم 2 ” كما يحلو له ذلك منكمشا على غير عادتـه ..ألقـى “سليم” عليه التحية بإبتسامة وهو يتجرع قطرات ماء كما لو كان عائـدا للتو من سبـاق مضماره شاق ومرهـق .. واصلا المسير وصعدا الدرج إلى أن ساقتهما أقدامهما إلى القاعة رقم 7 ..فتحـا الباب بالمفتاح وولجا إلى الداخـل .. كانت القاعة ساكنة سكــون أجواء مولاي عبدالله .. سكون كاســح تخترقه بين الفينــة والأخرى تلك النسمات الصباحية القادمة من الساحل الذي يتراءى من النوافـذ على إمتــداد البصـر ..
وكأنه جحافـل من المريديـن الذين يصطفــون بعناية وثبــات بحثــا عن بركات الشيخ مولاي عبدالله الراقـد في أتــون الزمن .. قريبا من سيدي بوزيـد غير بعيـد من البحــر .. حيث الأمــواج المتراقصـة بسخــاء كراقصة بالـي .. لحظات إلتحق بهمـا الأستاذ “مرتضـى” القادم إلى مازاغان من ضواحي مكناسة الزيتون .. يجـر قدمــاه بخطوات متثاقلــة وركن في الطاولـة الخلفيـة بالصف الثاني بعد أن ألقى التحيـة .. كان “سليم” يضع “البورط فوليو ” أمامه، شأنه في ذلك شأن “خديجة” ..
فتح “مرتضى ” محفظته الجلديــة التي تشهد ولا شك على حكايات وحكايات .. وأخرج مذكرة صغيــرة وفتح برفق وسلاســة صفحة الملاحظات .. بعد أن وضع نظارته الشمسية فوق رأسـه .. كانت عينـــاه منصبة على ما كتـب حتى أنه لم يبال بالنسائم التـي تداعبه كالهــوى من حيــن لآخـر .. كان ساكتــا غارقا في أحضــان الصمت .. وكأنـه قــاض يتأهــب من أجل إصــدار حكم حاســم في قضيـة شائكــة .. . فجأة إختــرق جــدار صمتـه كما تخـترق طلائــع الضـوء جحافل الظــلام الدامــس ..خاطب “سليم” و”خديجة” بكلمات متثاقلـة .. ألقى عليهما التحيـة وعبر لهما عن شكــره وإرتياحــه للمجهود المبــذول وثمن الأداء .. رغم قصـر مدة الوضعيات المهنيـة داخل الفضــاء الفصلي .. هنيهــات التحــق الأستاذ المرشـد “رضــوان” ابن دكالـة .. وأخذ مكانه إلى جانب “مرتضــى” ..
وإنطلــق شادوف الملاحظــات في الـدوران .. وفي كل دورة كانــت تتقاطر الملاحظات كما تتقاطر قطرات النــدى على حقـول الياسمين والفل والنرجـس والريحـان .. كان “سليم” و”خديجة” يصغيان بدقـة ويدونان الملاحظـات بكل تركيـز .. وبيـن الفينــة والأخــرى كان يقذف الشـادوف بأسئلـة كانت تنــزل عليهما بـردا وسلامـا .. كانا يتصديان لها بثبــات ويجيبان عنها بكل أريحيــة .. إستمــر الشادوف في الــدوران قبل أن تتوقف حركتـه حوالي الساعة 11و30د .. لتفسح المجــال أمام ناعــورة “البورط فوليـو” .. شخصيــة الموسـم بامتيــاز … طلب منهما تقديم “البورط فوليـو” .. نهض “سليم” من مكانه ووقف أمام اللجنـة حاملا ” البورط فوليو” وكأنه يعتزم تقديم رسالة ماستر أو أطروحة دكتوراه وطنيـة أمام لجنـة من الأساتذة المحنكيـن .. شرع مباشرة في تقديم المحتويات .. أكوام من الوثائــق المتعايشة بســلام بدون حـرب ولا نزاع ولا شنــآن ..
مرتكزات ومرجعيات عامـة .. منهـاج .. تدبير وتخطيـط .. بحث تدخلي .. علوم تربيـة .. تشريـع .. تقاريـر .. وثائـق الوضعيات المهنيـة .. جــذاذات .. أنشطـة .. إنتهى دوره ووضع “البورط فوليو” على الطاولة بعد طول عنـاء .. مباشرة بعد ذلك إحتضنت الأستاذة خديجـة “البورط فوليو” الخــاص بها كما تحتضن الأم صغيرهـا .. فشرعـت هي الأخـرى في تقديمـه بطريقـة ولمسة خاصـة .. في تمام الساعة 11و45د ..
إنتهى كل شـئ .. رفع القلم وجفـت السطـور .. وطويـت آخر صفحة من صفحات حكاية إسمهـا “البورط فوليو” .. وغادرا معا القاعة رقم 7 .. حكايـة إبتـدأت كلمة صغيـرة مبهمـة وغير واضحة خلال أول لقــاء بمدرج المركـز غضون أسبوع الإستقبـال .. تم نسيانها على إمتـداد الموسـم تحت ضغـط المجـزوءات .. وركنها في أركـان الغرف وربما تحـت الأسـرة .. لكنها أبت إلا أن تظهـر .. أن تحيـى .. أن تعيـش في العقول كالهواجـس .. أن تحب كل المتدربين والمتدربات بسخـاء .. وأن يبادلوها أيضـا حبـا بحـب ووفــاء بوفــاء … بعدما أطل هـلال الإمتحان الوطني في شقـه العملي .. إنه “البورط فوليو” أو”الملف الشخصي” .. وهما يغادران مؤسسة “الإمام مسلم”.. كان “سليم” و”خديجة” يحسان أنهم تخلصا من عبء كبيـر .. أثقل كاهلهما .. ورماهما عنـوة في منطقـة الشــرود ..
كانت خديجة مبتهجـة وعلامات الإرتيــاح بارزة على محيـاها .. كانـت تعي كل الوعـي .. أنها تخلصت من ضغط الليالي وأهات السمـر .. وانفلــتت ولو إلى حين من هواجــس .. الإمتحـان .. و”البورط فوليـو” …وصلا إلى المركز .. ودعــا بعضهما البعـض عند مدخل الداخليـة .. وأكمل “سليم” المسيـر .. مر أمام النافورة الزرقــاء .. وشجرة الزيتون .. والنخلة وشجرتي التوت الباسقتين .. أحس بإنتعاشـة ونشـوة لا مثيل لهـا .. وصل إلى الغرفة .. فتح الباب بسلاسة وكأنه قادم من نصر تاريخـي أو من رحلـة صيـد وفيــرة .. ألقى التحية على “سليمــان” .. الذي كان مزهـوا .. مفتخرا كما لو كان طاووسـا في البــراري .. قال له بإبتسامة عريضـة ” ناولني الولاعـة يا سليمان .. سأحمل “البورط فوليو” .. وسأقصد النافورة الزرقـــاء .. وسأشعل فيـه النــار .. قاطعه “سليمان” ..
بقهقهات متعاليـة كادت أن تصل إلى النافورة .. قهقهات لم يجد لها “سليم” وصفا ولا تقديــرا … قال له .. لنأكل “طاجين لحـم “اليوم .. أجابه “سليم” : ولم لا .. إنتهت حكايتك .. يا عزيزي .. يا “بورط فوليـو” …