في خطوة تشريعية تهدف إلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي وانعكاساتها على منظومة القيم المجتمعية، تقدم الفريق الحركي بمجلس النواب بمقترح قانون يسعى إلى تتميم الفصل 483 من مجموعة القانون الجنائي. وقد تولى تقديم هذا النص التشريعي النائب إدريس السنتيسي بصفته رئيساً للفريق الحركي، إلى جانب باقي أعضاء الفريق، حيث جرى تسجيله وإيداعه بمجلس النواب بداية 2026.
وتبعا للمسطرة التشريعية المعمول بها، حسب ما أورده موقع المجلس، أحيل مقترح القانون بعد استيفاء الشكليات الإجرائية على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، وذلك لدراسته ومناقشته قبل عرضه على الجلسة العامة للمجلس للبت فيه وفقا للمقتضيات الدستورية والتنظيمية ذات الصلة.
وجاءت هذه المبادرة، استجابة للأنماط السلوكية المستحدثة التي أفرزها الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، والتي باتت تشكل وعاء مفتوحا لتداول مضامين قد تمس بالحياء العام والأخلاق المجتمعية على نطاق لم يعد ممكناً حصره في المفهوم التقليدي للعلنية.
وتنطلق المذكرة التقديمية للمقترح من معاينة ميدانية للواقع الرقمي، حيث أشارت إلى تنامي ظاهرة بث ونشر محتويات تتضمن ألفاظاً نابية وشتائم وإيحاءات وسلوكيات فاحشة بشكل علني، مما يتيح الاطلاع عليها لفئات غير محدودة من المتابعين، بمن فيهم القاصرون الذين تقل أعمارهم عن ثماني عشرة سنة. ويلاحظ مقدم المقترح أن الآثار الاجتماعية والأخلاقية لمثل هذه الممارسات تتضاعف بشكل كبير مقارنة بالعلنية المرتبطة بالمكان العمومي المادي، نظراً لما تتميز به الوسائط الرقمية من سرعة في الانتشار واتساع في دائرة المشاهدة وقابلية للتخزين وإعادة النشر دون ضوابط.
![]()
ويسجل مقترح القانون الذي اطلعت عليه “بلبريس”، أن الفصل 483 في صيغته الحالية، وإن كان يجرم الإخلال العلني بالحياء من خلال العري المتعمد أو البذاءة في الإشارات والأفعال، ويعرف العلنية بوقوع الفعل بحضور شخص أو أكثر شاهدوا ذلك عفواً أو بحضور قاصر دون الثامنة عشرة أو في مكان تتطلع إليه أنظار العموم، إلا أنه لم يستحضر بصراحة مطلقة الفضاء الرقمي كوسيط جديد ونافذ للعلنية.
وقد أبرزت الممارسة القضائية، بحسب ما ورد في المذكرة، شروع المحاكم في تكييف بعض هذه الوقائع الرقمية ضمن إطار الفصل 483، وهو ما يعكس راهنية النص الجنائي من جهة، ويؤكد الحاجة الملحة من جهة أخرى إلى تدخل تشريعي يوضح نطاق تطبيقه ويواكب التحولات التكنولوجية، بما يضمن الأمن القانوني ويحد من تباين التأويلات في هذا الشأن.
وعليه، يرمي المقترح الذي تقدم به الفريق الحركي إلى تعديل أحكام الفصل 483 دون المساس بجوهره، وذلك عبر إدراج مقتضى جديد ينص على مضاعفة العقوبة الحبسية والغرامة المنصوص عليهما في الفقرة الأولى من الفصل نفسه، في حال تم ارتكاب فعل الإخلال العلني بالحياء عبر بثه أو نشره أو تداوله بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي أو شبكة الإنترنت أو أية وسيلة رقمية أخرى تمكن العموم أو فئة غير محددة من الأشخاص من الاطلاع عليه.
وبذلك، يضع المشرع بصمته على محاولة لإعادة التوازن بين حماية القيم المجتمعية وكرامة الأشخاص من جهة، وضبط الفضاء الرقمي المتنامي من جهة أخرى، مع التأكيد على أن هذا المسار التشريعي لا يغني عن السياسات التربوية والتوعوية المصاحبة.