يصل البرلمان المغربي إلى دورة ربيعية حاسمة، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع رهانات المرحلة الوطنية والدولية، لتجعل من هذا الموعد الأخير في الولاية التشريعية الحالية أكثر من مجرد مناسبة بروتوكولية. يرى مراقبون أن الدورة الحالية تشكل اختبارًا حقيقيًا للقدرة الديمقراطية للمؤسسة التشريعية على الموازنة بين الأداء الحكومي والمنافسة الانتخابية القادمة.
في قلب هذا الاختبار، تتكشف مفارقة بارزة، نظرا لكون البرلمان مطالب بمناقشة الملفات التشريعية الحساسة، من قوانين مرتبطة بالعدالة وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لكن ضيق الوقت يجعل من هذه النقاشات مشهدًا يختلط فيه البعد المؤسساتي بالرهانات السياسية. ويضيف هؤلاء أن أي تشريع سيخرج في هذه الفترة سيكون مرهونًا بالقدرة على التوفيق بين الضغوط الشعبية وحسابات الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
كما يشير المحللون إلى أن البعد الرقابي لهذه الدورة سيكون الأبرز. فالأسئلة الشفهية وتقارير المجلس الأعلى للحسابات ستصبح أدوات ضغط فعّالة، تتحول إلى ساحة مواجهة بين الأغلبية والمعارضة، وهي مواجهة قد تحمل في طياتها إشارات قوية للناخبين حول جدية الأطراف السياسية في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفاعلية البرلمان في مراقبة السياسات العمومية، قبل أن تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع.
الملفات الاجتماعية والاقتصادية، مثل القدرة الشرائية، الصحة، التشغيل والتعليم، تشكل وقود هذا الصراع، إذ يرى مراقبون أن هذه القضايا لن تُناقش بمعزل عن الاستحقاق الانتخابي، إذ ستصبح منصة لكل طرف لتسويق قصص النجاح أو فضح نقاط الضعف في الأداء الحكومي. وبهذا يتحول البرلمان من فضاء تشريعي إلى مسرح سياسي حي، يختبر فيه كل طرف شعبيته وقدرته على التأثير في الرأي العام.
وفي بعد أعمق، تشير التحليلات إلى أن هذه الدورة تمثل أيضًا اختبارًا للديمقراطية المغربية نفسها، وما إن كانت المؤسسة البرلمانية ستبقى قادرة على ممارسة الرقابة والتشريع بمعزل عن الضغوط الانتخابية، أم ستخضع للعبة الزمن السياسي؟؛ فالتوازن بين الأداء المؤسساتي والرهانات السياسية لن يكون سهلا، خصوصا مع تصاعد الديناميات الاجتماعية والاقتصادية وتداعيات الأزمات العالمية على الاقتصاد المحلي.
ويمكن القول إن الدخول الربيعي للبرلمان المغربي سيظل لحظة سياسية مشحونة، حيث يتقاطع الطموح الديمقراطي مع ضغوط المرحلة، ويصبح الرهان الأكبر هو قدرة المؤسسة على استعادة مصداقيتها كمكان للتداول المسؤول، بعيدا عن ضجيج الحسابات الانتخابية، مع ضمان أن تبقى القرارات التشريعية والسياسات العمومية في خدمة المواطن وليس الانتخابات فقط.