في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، بدأت تداعيات الحرب على إيران تلقي بظلالها بعيداً عن ساحات القتال، لتصل إلى شمال إفريقيا، حيث ترى معهد واشنطن أن المرحلة المقبلة قد تعيد تشكيل موازين السياسة والاقتصاد في المنطقة، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية.
التقرير يدعو الإدارة الأمريكية إلى مواصلة دعم الحل الدبلوماسي لهذا النزاع، عبر مزيج من الحوافز والضغوط، بما يضمن استقراراً طويل الأمد ويعزز الشراكات الإقليمية. ويعتبر أن تداعيات الحرب، رغم ما تحمله من مخاطر، قد تفتح أيضاً نوافذ جديدة للتعاون الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة التي تشهد اضطرابات عالمية.
على الصعيد الداخلي، يحذر التقرير من توظيف بعض التيارات السياسية في المغرب لهذه الحرب لتحقيق مكاسب انتخابية، مشيراً إلى حزب العدالة والتنمية الذي يسعى لاستعادة حضوره بعد خسارته في انتخابات 2021. كما نبه إلى احتمال عودة بعض مظاهر التطرف في المنطقة، رغم تراجعها خلال السنوات الماضية.
اقتصادياً، تبرز التحديات بشكل واضح في قطاع الطاقة. فبينما تمتلك دول مثل الجزائر وليبيا إمكانات لزيادة صادرات النفط والغاز نحو أوروبا، إلا أن ذلك يصطدم بإكراهات داخلية، من ضعف الاستثمارات إلى هشاشة البنية التحتية والانقسامات السياسية. وتبقى شركات كـسوناطراك مطالبة بضخ استثمارات كبيرة للحفاظ على مستويات الإنتاج.
أما في المغرب وتونس، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل ضغطاً مباشراً على المالية العمومية، خاصة في ظل أنظمة الدعم وارتفاع نسب المديونية، ما يجعل أي تقلب في الأسواق العالمية عاملاً مؤثراً في التوازنات الاقتصادية.
سياسياً، كشفت مواقف دول المنطقة من الحرب عن تباينات واضحة، حيث اتخذ المغرب موقفاً صريحاً في إدانة إيران، بينما اختارت تونس نهج الحذر. ويرى التقرير أن الولايات المتحدة معنية بتفادي أي انزلاق نحو عدم الاستقرار، خصوصاً في ظل هشاشة بعض الاقتصادات منذ تداعيات جائحة كوفيد-19 وامتدادات الحرب في أوكرانيا.
ورغم هذه التحديات، لا يخلو المشهد من فرص. فالمغرب، بحسب التقرير، يمتلك مؤهلات لتعزيز موقعه في مجال الطاقات المتجددة والتحول إلى فاعل رئيسي في سوق الأسمدة عالمياً، مستفيداً من اضطرابات الإمدادات الدولية. كما قد تجد ليبيا في هذه الظرفية فرصة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي وتعزيز مكانتها كمورد موثوق للطاقة.
في المحصلة، ترسم هذه التطورات صورة معقدة لمنطقة تقف عند مفترق طرق، حيث تتقاطع المخاطر مع الفرص، ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الدول على تحويل الأزمات إلى مكاسب استراتيجية.