أفاد تقرير لصحيفة “ذي أوبجكتيف” أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لفهم التحولات العميقة التي يعرفها المغرب، رغم أنها تفرض على إسبانيا، جارتها الجنوبية، قراءة دقيقة لمشهد يتشابك فيه الاقتصادي بالسياسي والاجتماعي بالثقافي. فبينما يراهن البلدان على شراكة استراتيجية تمتد مجالاتها من البنى التحتية إلى إدارة الحدود، يظل الرأي العام الإسباني، وفق التقرير، أسير صور نمطية تعيد إنتاج تباعداً لا يعكس كثافة الروابط القائمة.
ما تزال ملفات حساسة مثل الهجرة ومكافحة الاتجار بالمخدرات والتعاون الأمني، إلى جانب الملفات السياسية المرتبطة بالصحراء، تشكل مجالات تلتقي فيها مصالح البلدين بشكل يجعل من المغرب فاعلاً محورياً لا غنى عنه في حسابات مدريد. لكن هذا الثقل الاستراتيجي لم يترجم بعد إلى معرفة مجتمعية معمقة، فالسياحة التي تجمع آلاف الإسبان بالمدن المغربية، ووجود جالية مغربية واسعة في إسبانيا، لم يكونا كافيين لكسر جدار التباعد، وفق قراءة الصحيفة التي ترى أن السياحة تظل سطحية بطبيعتها، فيما تعيش الجالية في كثير من الأحيان حالة انفصال عن النسيج الاجتماعي والثقافي الإسباني.
في المقابل، يشهد المغرب تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة تقفز فوق كثير من التصورات القديمة. فالمملكة التي أطلقت مشاريع كبرى من قطار فائق السرعة إلى شبكة طرق وسكك حديدية متطورة، جعلت من بنيتها التحتية إحدى ركائز رؤيتها لتعزيز موقعها كمركز لوجستي إقليمي. ويأتي ميناء طنجة المتوسط في صدارة هذه المشاريع، إلى جانب مشروع ميناء الناظور المتوسط المرتقب، الذي من المنتظر أن يعيد تشكيل معادلات اقتصادية في المنطقة، إلى جانب مناطق صناعية حرة عززت مكانة المملكة كقاعدة مهمة في قطاع صناعة السيارات.
وبخلاف البنى التحتية، يحمل المشهد المغربي خصوصية ديموغرافية لافتة، حيث يشكل الشباب الذي يبلغ متوسط عمره 29 سنة شريحة واسعة تحمل فرصاً وتحديات في آن، إذ تفرض حاجتها المتزايدة إلى الاندماج في الدورة الاقتصادية تحدياً دائماً على سياسات التشغيل. ويضاف إلى ذلك تنوع نسبي في الأنشطة الاقتصادية واستقرار يعزز موقع المملكة مقارنة بجوار إقليمي مضطرب.
أما البعد الثقافي والديني، فيشكل، وفق الصحيفة، عاملاً أساسياً في الحفاظ على التماسك الاجتماعي داخل مجتمع يعرف تحولات متسارعة، حيث يشكل الإسلام مرجعية هوياتية وقيمية لشريحة كبيرة من الشباب، في ما يبدو كعامل توازن يحمي النسيج المجتمعي من التفكك في ظل التحولات الكبرى.
هذا المشهد المتجدد لم يأت من فراغ، إذ تشير الصحيفة إلى أن تاريخ إسبانيا ارتبط طويلاً بالمغرب، من محطات قديمة إلى أحداث أقرب مثل حرب الريف وقضايا الصحراء. وهي خلفية تجعل من الضرورة بمكان، في نظر التقرير، تطوير فهم أعمق للجارة الجنوبية، بعيداً من التبسيط أو الإسقاطات القديمة.
وتخلص “ذي أوبجكتيف” إلى أن المغرب سيظل حجر زاوية في الجيوسياسية الإسبانية، داعية إلى توسيع جسور البحث الأكاديمي والحوار السياسي لفهم التحولات الكبرى التي يشهدها الجانب الآخر، كمدخل لتجاوز الصور النمطية التي لا تزال تعيق نظرة بعض الأوساط الإسبانية إلى شريك استراتيجي يرتبط به مصير ملفات حاسمة.