مع حلول شهر رمضان، ترتفع وتيرة “العمل الخيري” كما يرتفع منسوب التقوى في الخطب. لكن خلف صور القفف المكدسة وابتسامات التوزيع أمام عدسات الهواتف، تنكشف ممارسات أقل ما يقال عنها إنها تسيء إلى روح الشهر وتحوّل الإحسان إلى أداة نفوذ وابتزاز سياسي.
معطيات متقاطعة تفيد بأن منتخبين داخل مجالس كبرى في الشمال والغرب، وبجهتي بني ملال ومراكش، حصلوا على دعم مالي “سخي” من رجال أعمال ومنعشين عقاريين تجمعهم مصالح مباشرة مع هذه المجالس. المبرر المعلن: شراء قفف رمضانية للفقراء. أما الحقيقة غير المعلنة، فهي أن بعض هذه “التبرعات” أقرب إلى ضريبة موسمية مفروضة بقوة القرار الإداري، تُدفع اتقاء لغضب توقيع أو تأخير رخصة.
المفارقة المؤلمة أن الفقير، الذي يُفترض أن يكون محور العملية، يتحول إلى مجرد خلفية في مشهد استعراضي. تُلتقط الصور، تُنشر التدوينات، ويُرفق كل ذلك بعبارات التضامن والرحمة، بينما الهدف الحقيقي هو تثبيت النفوذ داخل الدائرة الانتخابية وشراء صمت اجتماعي بكيس دقيق وزجاجة زيت.
ومن جهة أخرى، انتشرت منذ اليوم الأول من رمضان إعلانات على منصات التواصل، خاصة فايسبوك تدعو إلى تحويل تبرعات مالية عبر حسابات بنكية أو وكالات تحويل أموال، تحت شعار “القفة للمحتاجين”. بعض المبادرات قد تكون حسنة النية، لكن الباب فُتح أيضًا أمام محترفي “السعاية الرقمية”، الذين يتقنون تسويق العاطفة وجني الأرباح في صمت.
القانون واضح. فالقانون رقم 18.18 المتعلق بتنظيم عمليات جمع التبرعات يضع ضوابط دقيقة لدعوة العموم إلى التبرع، ويقصرها على جمعيات مؤسسة بصفة قانونية، مع اشتراط الترخيص في حالات الاستثناء. كما ينص على عقوبات قد تصل إلى غرامات ثقيلة في حال الإخلال بالمقتضيات. لكن ما نراه كل رمضان هو سباق محموم نحو جمع الأموال خارج أي إطار شفاف أو مراقبة فعلية.
في هذا السياق اكد فاعلون ان المطلوب اليوم ليس التضييق على فعل الخير، بل حمايته من التسييس والابتزاز. فالعمل الخيري حين يُختزل في وسيلة ضغط على مستثمر أو أداة لاستمالة ناخب، يفقد معناه الأخلاقي ويتحول إلى صفقة. وحين يُترك المجال لأشخاص بلا صفة قانونية لجمع الأموال، فإن الثقة المجتمعية نفسها تصبح على المحك.
رمضان ليس موسمًا لتصفية الحسابات أو لتبييض الصورة. هو امتحان للضمير قبل أن يكون حملة علاقات عامة. وبين القفة كرمز للتكافل، والقفة كأداة نفوذ، مسافة أخلاقية لا ينبغي لأي منتخب أن يتجاوزها.