صديقي: الملف الليبي شكل مكانة جيواستراتيجية مهمة للمغرب لاعتبارات كثيرة

*فاطمة الزهراء أخانة

تطرق سعيد صديقي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سيدي محمد بن عبد الله، لوضعية السياسة الخارجية بين المغرب وليبيا، موضحا أن "الملف الليبي شكل مكانة جيواستراتيجية مهمة للمغرب لاعتبارات كثيرة، وأهمها أولا تجربته السيئة والمكلفة مع نظام القذافي الذي كان دائما مصدر تهديد للمصالح المغربية، لاسيما وحدته الترابية".

وأوضح صديقي في تدوينة على صفحته الرسمية "فايسبوك" أن "القذافي هو أول من احتضن جبهة البوليساريو ودعمها بالمال والسلاح، ودرب عناصرها. لذلك فمن مصلحة المغرب الحيوية أن يكون النظام القادم في ليبيا صديقا له وليس خصما" مشيرا إلى أن "أن المغرب لا يثق في الحكام العسكريين في الدول العربية الذي كانوا غالبا في الجهة المعاكسة لمصالحه، لذلك نجده أقرب إلى حكومة الوفاق في طرابلس.

وأما العامل الثاني، يضيف المتحدث ذاته، فيتمثل في أهمية ليبيا ذاتها سواء من حيث موقعها ومساحتها وغناها بالثروات النفطية والغاز، وهي بلد واعد بالاستثمار. لذلك من مصلحة المغرب ألا يترك هذا الملف يتصرف فيه خصومه أو منافسوه، وحتى أصدقائه، ويسعى ليكون له حضور وتأثير في مستقبل ليبيا لاسيما وأن جهوده في الوساطة حظيت بمباركة من قبل مختلف الأطراف الليبية والدولية. والعامل الثالث، هو الخوف من تحول ليبيا إلي مصدر لإثارة الفوضي وعدم الاستقرار في المنطقة المغاربية. فالمغرب، كغيره من البلدان المغاربية، يخشى أن تتحول ليبيا منطلقا لمشروع إقليمي يهدف إلى زعزعة بلدان المنطقة كلها والتأثير عليها سياسيا وأمنيا".

وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى أن "المغرب يراهن على الآليات الدبلوماسية من مفاوضات ومساعي حميدة ووساطة لتعزيز موقعه في هذا الملف الشائك. فقد استطاع أن يقدم نفسه وسيطا موثوقا به لمختلف الأطراف الليبية من خلال استضافته لمفاوضات الصخيرات، وقبل ذلك استطاع أن يجمع بعض الأطراف الليبية المتنازعة على مائدة اللقاء والحوار المباشر في مدن أوروبية.

وأضاف " أظن هذا هو عنصر قوة المغرب في هذا الملف، ما دام حرص باستمرار ألا يقدم دعما عسكريا أو لوجيستيا معلنا لهذا الطرف أو ذلك. لكن كما نعلم فإن من سيصنع مستقبل ليبيا السياسي وحتى الاقتصادي هو من يوجد على الأرض الليبية ولاسيما تركيا وروسيا. ومع ذلك يمكن للمغرب أن يعزز دوره الدبلوماسي في هذا الملف، لاسيما إذا قوى علاقاته أكثر مع حكومة الوفاق، وإذا ربط أيضا قنوات تواصل مباشرة مع الأتراك، وأيضا إذا حصل على تأييد من حلفائه التقليديين لاسيما فرنسا وأمريكا للدخول في نسخة جديدة من مفاوضات الصخيرات".

وأوضح أستاذ المنظمات الدولية أنه يجب  "على المغرب أن يدرس حساباته بدقة، ويمكن أن يعيد النظر في طريقة انخراطه في هذا الملف. رغم أنه نادرا ما تكون هناك مصالح مشتركة بين الدول لاسيما على المستوى الجيوسياسي، لكن أرى أن مصالح المغرب الحيوية تجعله أقرب إلى تركيا مقارنة بالأطراف الأخرى. لذلك يمكن أن يجد صيغة للتعاون مع الأتراك على حل الملف الليبي دون إثارة مخاوف الجزائر. نعم هناك أطراف أخرى قد تكون لها مواقف متناقضة مثل فرنسا وأمريكا، لكن من مصلحة المغرب أن يكون أقرب إلى من يتحكم في مسار الأحداث على الأرض، وكما قلت فإن الاستراتيجية التركية تخدم مصالح المغرب الحيوية أكثر من القوى الأخرى…"

ولفت  الأستاذ الجامعي إلى أن "المنطقة المغاربية تشكل منظومة إقليمية واحدة، وأصفه بالنظام الإقليمي أو الجهوي الفرعي (regional subsystem)، بمعنى تشكل دولهة بنيات في نظام واحد. وما يمز هذا النوع من الأنظمة الإقليمية أو الجهوية سرعة التأثر المتبادل لاسيما على المستوى الأمني، فما يحدث في بلد مغاربي يؤثر مباشرة على باقي البلدان.

وفي نفس السياق، أبرز المتحدث ذاته أن النظام المغاربي يتميز بالتوجس المتبادل بين دوله لاسيما بين المغرب والجزائر اللتين تتنافسان على النفوذ الإقليمي منذ استقلالهما. وأي تقارب للنظام السياسي في ليبيا مع هذه الدولة أو تلك، سترى فيه الدولة الأخرى كأنه تحالف ضدها. نحن أقرب إلا اللعبة الصفرية في الملف الليبي، لذلك يفترض من الدول المغاربية، وخاصة المغرب والجزائر، أن تتوافق على حل مناسب لهذه الأزمة بما يحفظ لها مصالحها الحيوية.

فإذا افترضنا أن ليبيا ستتعرض للتقسيم، وتشكيل أكثر من دولة، فإن هذا السيناريو خطير على كل الدول المغاربية، وقد تكون له تداعيات تتجاوز الحدود الليبية، وسيكون له صدى في الجزائر والمغرب. لذلك من مصلحة هاتين الدولتين حتى وإلا لم تتفقا مباشرة على تصور موحد لحل الأزمة الليبية، فعليهما أن يتجنبا استعماله ضد الطرف الآخر، لأن من شأن ذلك أن يضر الجميع، يضيف الدكتور.

فطبيعة النظام السياسي في ليبيا المستقل وسياستها الخارجية سيتأثر بهما المغرب بالتأكيد سواء سلبا أو إيجابا، يقول صديقي، فالمغرب يريد أن تكون ليبيا سندا له وداعمة لمصالحه وعلى رأسها قضية الصحراء، وألا تكون في صف الجزائر أو أي قوة إقليمية أخرى لها خصومة أو تنافس مع المغرب. والتحدي الذي يواجهه المغرب هو كيف يحقق مصالحه في ظل غياب تواصل سياسي مباشر مع الجارة الجزائر.

*صحفية متدربة

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.