نتنياهو وآيزينكوت يتنافسان على قيادة إسرائيل بعد انتخابات غير حاسمة

دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من الغموض السياسي عقب الانتخابات التي جرت الثلاثاء، بعدما تمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسه جادي آيزينكوت بأحقيتهما في قيادة الحكومة المقبلة، في وقت لم تمنح فيه استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع أيا من المعسكرين أغلبية واضحة داخل الكنيست، ما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة قد تمتد لأسابيع أو أشهر، أو تنتهي بالدعوة إلى انتخابات جديدة.

ودعا نتنياهو، زعيم حزب الليكود، إلى تشكيل حكومة يمينية، مستندا إلى ما وصفه بالإنجازات العسكرية لإسرائيل، فيما اعتبر آيزينكوت أن الناخبين رفضوا استمرار رئيس الوزراء في منصبه، مطالبا إياه باعتزال الحياة السياسية. وبين الموقفين، أظهرت التقديرات الأولية تقاربا بين المعسكرين، دون أن يتمكن أي منهما من بلوغ عتبة 61 مقعدا اللازمة لتشكيل أغلبية في الكنيست، المؤلف من 120 مقعدا.

وأظهرت استطلاعات الخروج التي بثتها القنوات الإسرائيلية «كان 11» و«13» تعادل الكتلتين بواقع 51 مقعدا لكل منهما، بينما منحت القناة «12» أفضلية محدودة لمعسكر نتنياهو، الذي حصل وفق تقديراتها على 52 مقعدا مقابل 49 لمعسكر آيزينكوت. وتظل هذه الأرقام أولية في انتظار النتائج النهائية، التي كان متوقعا إعلانها يوم الخميس أو الجمعة.

وتمثل هذه الانتخابات أول استحقاق تشهده إسرائيل منذ هجوم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية «حماس» في السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبه من حروب في غزة ولبنان وإيران، وهي أحداث هيمنت على النقاش السياسي والأمني خلال الحملة الانتخابية، في ظل استمرار الجدل بشأن مسؤولية الحكومة عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجوم وتداعيات الحرب على مكانة إسرائيل داخليا ودوليا.

وفي حال تأكدت تقديرات استطلاعات الخروج، فإن معسكر نتنياهو القومي الديني سيخسر قدرته على الاعتماد على الأغلبية التي كان يمتلكها، بعدما تراجع تقديره من 68 مقعدا إلى أقل من العدد المطلوب لتشكيل الحكومة. كما يُتوقع أن يحصل الحزبان اليمينيان المتطرفان بقيادة إيتمار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش على نحو 13 مقعدا ضمن معسكره، دون تحقيق مكاسب كبيرة لأي منهما.

في المقابل، يواجه آيزينكوت صعوبات في جمع الأصوات اللازمة للوصول إلى السلطة، رغم بروزه منافسا رئيسيا لنتنياهو. فقد استبعد بشكل قاطع تشكيل حكومة بالتعاون مع الأحزاب العربية، التي قد تلعب دورا حاسما في ترجيح كفة أحد المعسكرين، وهو ما يضيّق الخيارات المتاحة أمامه في ظل غياب أغلبية واضحة.

وفي خضم التنافس على رئاسة الحكومة، تصاعد الخلاف بشأن توظيف الملف الأمني في المعركة السياسية. فقد تحدث نتنياهو، خلال كلمة أمام أنصاره في مقر حزب الليكود بالقدس، عن فرصة وصفها بالتاريخية للقضاء على التهديد الإيراني، بالتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشددا على أن إسرائيل أمام مهمة وصفها بالمقدسة.

أما آيزينكوت، رئيس الأركان السابق وزعيم حزب «يشار»، فاعتبر أن نتنياهو أصبح رئيسا لحكومة تصريف أعمال من دون تفويض أو ثقة الشعب، ودعاه إلى مغادرة الحياة السياسية. كما حذر المؤسسة الأمنية من أي محاولة لتقديم المصالح السياسية على أمن إسرائيل، في انتقاد مباشر لخصمه الذي يواجه منذ هجوم أكتوبر 2023 اتهامات بشأن الإخفاقات الأمنية، إلى جانب قضايا فساد ينفيها.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 77.7 في المائة، وفق لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، وهي الأعلى منذ أكثر من عقدين، متجاوزة نسبة المشاركة المسجلة في انتخابات 2022 بنحو سبع نقاط مئوية. وشهدت مراكز الاقتراع، بحسب المعطيات الواردة، مشاركة لافتة من المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، فيما احتفل أنصار القائمة المشتركة، التي تضم أحزابا عربية، بتقديرات النتائج الأولية.

ويضع تقارب النتائج الأحزاب الصغيرة أمام دور محوري في المفاوضات المقبلة، إذ قد تصبح قدرتها على الانضمام إلى أحد المعسكرين عاملا حاسما في تحديد شكل الحكومة المقبلة. وفي حال تعذر التوصل إلى ائتلاف يحظى بالأغلبية، قد تجد إسرائيل نفسها أمام انتخابات جديدة، وهو خيار يعارضه آيزينكوت في ظل ارتفاع المشاركة الانتخابية.

ورغم الانتقادات التي واجهها نتنياهو بسبب الإخفاق الأمني في أكتوبر 2023، فإنه يراهن على سجله العسكري وقدرته على مواجهة خصوم إسرائيل، مستندا إلى خبرته السياسية الطويلة، إذ شغل منصب رئيس الوزراء لما يقرب من 19 عاما خلال العقود الثلاثة الماضية، وتمكن مرارا من تجاوز أزمات سياسية حادة. كما سبق أن عاد إلى رئاسة الحكومة بعد فترة قصيرة من خروجه منها، عقب سلسلة انتخابات لم تحسم التوازنات السياسية.

في المقابل، بنى آيزينكوت حملته على خبرته العسكرية وموقفه المعارض لأسلوب قيادة نتنياهو، رغم تبنيه مواقف متشددة في عدد من الملفات الأمنية، بينها رفض إقامة دولة فلسطينية والدعوة إلى تفكيك الجناح العسكري لحماس. ويرى أن استمرار الحركة في السلطة يمثل دليلا على فشل الرد الإسرائيلي على هجوم أكتوبر.

ومع استمرار فرز الأصوات وانتظار النتائج النهائية، تبقى ملامح الحكومة المقبلة غير واضحة، فيما يواجه المعسكران مهمة صعبة لتأمين الأغلبية البرلمانية. وقد تمنح حالة الجمود نتنياهو فرصة للبقاء في منصبه رئيسا لحكومة تصريف أعمال خلال مفاوضات تشكيل الائتلاف، في وقت تظل فيه احتمالات التوافق أو الذهاب إلى انتخابات جديدة مفتوحة.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *