لم يعد التضييق على التعبير في الجزائر مقتصراً على الشارع أو المنابر السياسية والإعلامية، بل امتد بقوة إلى مواقع التواصل الاجتماعي، حيث باتت منشورات وتعليقات وانتقادات سياسية ومدنية تجر أصحابها إلى التوقيف والمحاكمة. وخلال شتنبر 2026، برزت سلسلة من الملفات التي أعادت إلى الواجهة أسئلة حادة حول حدود حرية التعبير وطريقة توظيف النصوص الجنائية في مواجهة الأصوات المنتقدة.
وتتحدث منظمات حقوقية عن استمرار نمط من التضييق على النشطاء والصحافيين ومستخدمي شبكات التواصل، فيما وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» استمرار السلطات الجزائرية في ملاحقة منتقدي السياسات الحكومية، بما في ذلك بسبب نشاطهم على الإنترنت، معتبرة أن المجال المدني وحرية التعبير لا يزالان يواجهان قيوداً واسعة.
وفي شتنبر الجاري، أخذت هذه الملاحقات منحى أكثر وضوحاً من خلال ملفات قضائية طالت ناشطين وأساتذة جامعيين بسبب منشورات على «فيسبوك». ومن بين أبرز الحالات قضية الناشط زبير المبخوت في الجلفة، الذي أوقف يوم 2 شتنبر على خلفية منشورات عبر حسابه على المنصة، قبل أن يوضع في الحبس الاحتياطي في اليوم التالي.
وتفيد منظمة «شعاع لحقوق الإنسان» بأن محاكمته تأجلت ثلاث مرات، فيما ظل رهن الحبس إلى حين جلسة 23 شتنبر، التي انتهت بالحكم عليه بسنتين، سنة منها نافذة وأخرى موقوفة التنفيذ، إلى جانب غرامة قدرها 200 ألف دينار جزائري، بعدما كانت النيابة العامة قد التمست سبع سنوات سجناً.
ولم تتوقف الملاحقات عند هذا الحد. ففي ولاية البويرة، وجدت الأستاذة والناشطة التربوية نادية موساوي نفسها أمام القضاء بسبب منشور يتعلق بالانتخابات التشريعية، حيث أمر قاضي محكمة مشدالة في 6 شتنبر بوضعها رهن الحبس المؤقت. وبعد محاكمتها، صدر في 22 شتنبر حكم بسنة حبس موقوف التنفيذ، وفق توثيق منظمة «شعاع لحقوق الإنسان».
أما في عنابة، فقد طالت المتابعة الباحثة في علوم الكيمياء والأستاذة الجامعية نسيمة صويلح، التي استدعيت للتحقيق بشأن منشورات نشرتها على «فيسبوك»، قبل إحالتها على المحكمة. وانتهت القضية، وفق المنظمة الحقوقية ذاتها، بالحكم عليها بسنة حبس موقوف التنفيذ وغرامة مالية.
وتكشف هذه الملفات عن مفارقة لافتة في المشهد الجزائري: فكلما اتسعت مساحة التعبير الرقمي، بدا أن هامش التسامح مع النقد السياسي والاجتماعي يضيق أمام مستخدميها. وبذلك لم تعد المنصات الرقمية مجرد فضاء للنقاش العام، وإنما تحولت، في عدد من القضايا، إلى مدخل لمتابعات قضائية يمكن أن تنتهي بالحبس.
ويبقى توظيف النصوص المرتبطة بالإرهاب والأمن الوطني من أكثر الملفات إثارة للجدل. فقد وثقت «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية استخدام السلطات الجزائرية لمقتضيات المادة 87 مكرر من قانون العقوبات في قضايا طالت نشطاء وصحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان. ودعا المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات إلى إلغاء المادة، بعدما اعتبر أن استخدامها ضد نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحافيين تم بصورة غير ملائمة.
وتذهب منظمة العفو الدولية أبعد من ذلك في انتقادها لهذا المسار، إذ تقول إن السلطات استخدمت اتهامات مرتبطة بالإرهاب إلى جانب نصوص قانونية فضفاضة لملاحقة نشطاء ومستخدمي شبكات التواصل والصحافيين، معتبرة أن ذلك يقيد بصورة تعسفية ممارسة حرية التعبير.
ويبرز اسم الشاعر والناشط محمد تجاديت ضمن الملفات التي استرعت اهتمام المنظمات الحقوقية، بعدما سبق أن تعرض للاعتقال والملاحقة في قضايا مرتبطة بتعبيره عن مواقفه، فيما وثقت «هيومن رايتس ووتش» أيضاً استمرار ملاحقة أصوات أخرى بتهم ذات صلة بالإرهاب أو استخدام تكنولوجيات الاتصال.
كما أثارت قضية الصحفيين والناشطين المعتقلين انتقادات متكررة من منظمة العفو الدولية، التي طالبت في ماي 2026 بالإفراج عن صحافيين قالت إنهم تعرضوا للاعتقال أو المتابعة بسبب عملهم الإعلامي أو تعبيرهم عن آرائهم، محذرة من استخدام القضاء لمعاقبة الأصوات المنتقدة.
وفي المقابل، تقول السلطات الجزائرية إن هذه المتابعات تتم في إطار تطبيق القانون وحماية الأمن والمصلحة الوطنية، بينما ترى منظمات حقوقية أن المشكلة تكمن في اتساع نطاق بعض النصوص وطريقة استخدامها ضد التعبير السلمي.
وهنا تحديداً يتجاوز الجدل حدود قضية فردية أو منشور بعينه، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والفضاء العام في الجزائر. فحين يصبح تعليق على «فيسبوك» أو موقف من انتخابات أو انتقاد لسياسة عمومية سبباً للوقوف أمام القضاء، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بمحتوى المنشور فقط، بل بمدى قدرة المواطن على ممارسة حقه في التعبير دون أن يتحول نشاطه الرقمي إلى مصدر لملاحقة جنائية.
وتشير حصيلة المنظمات الحقوقية خلال شتنبر إلى أن الظاهرة ليست محصورة في ناشطين سياسيين معروفين، بل امتدت إلى مدرسين وأساتذة جامعيين وصحافيين ومستخدمين عاديين للشبكات الاجتماعية. وهذا الاتساع هو ما يجعل النقاش حول الحريات في الجزائر أكثر إلحاحاً، خصوصاً في ظل استمرار الانتقادات الدولية بشأن وضع حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات.
وفي المحصلة، تكشف أحداث شتنبر 2026 عن مواجهة متواصلة بين فضاء رقمي يتوسع بسرعة، ومنظومة قانونية وأمنية لا تزال تتعامل مع جزء من التعبير السياسي والاحتجاجي من زاوية أمنية صارمة. وبين الرواية الرسمية التي تتمسك بتطبيق القانون، والقراءات الحقوقية التي تتحدث عن تضييق ممنهج، يبقى القضاء الجزائري أمام اختبار حقيقي يتعلق بحدود التوازن بين حماية الأمن وصيانة الحق في التعبير.