لم تعد دائرة الملاحقات في الجزائر تقتصر على المعارضين السياسيين أو الناشطين الذين خرجوا إلى الشوارع خلال الحراك، بل باتت تطال، وفق حالات وثقتها وسائل إعلام دولية، أصواتاً أكاديمية وصحافية تنتقد السياسات العمومية أو تشكك في جدوى المشاريع الاقتصادية الكبرى. وفي أحدث هذه القضايا، وجد الخبير الاقتصادي والأكاديمي جلول سلامة نفسه أمام حكم بأربع سنوات سجناً نافذاً، بعدما أثار تساؤلات بشأن المردودية المالية لمشروع منجم غار جبيلات، في واقعة أعادت النقاش حول حدود حرية التعبير في البلاد.
وسلطت صحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء، في تقرير نشرته يوم 20 أكتوبر الجاري، على الحكم الصادر في 15 أكتوبر عن محكمة الدار البيضاء بضواحي العاصمة الجزائرية، مشيرة إلى أن سلامة أدين على خلفية تصريحات تناولت الجدوى الاقتصادية لمشروع استغلال الحديد في غار جبيلات. وكان الأكاديمي قد أُوقف في 7 فبراير الماضي، عقب مداخلة تلفزيونية شكك فيها في جوانب من المشروع، قبل متابعته بموجب المادة 196 مكرر من قانون العقوبات الجزائري المتعلقة بنشر أخبار كاذبة من شأنها المساس بالنظام العام.
وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المشروع في الخطاب الاقتصادي للرئيس عبد المجيد تبون، باعتباره أحد الأوراش الاستراتيجية الرامية إلى تطوير الصناعة التعدينية وتقليص الاعتماد على المحروقات. غير أن تحويل التساؤلات المتعلقة بالتكاليف والمردودية إلى قضية جنائية يثير مخاوف بشأن قدرة الخبراء على مناقشة السياسات الاقتصادية وتقييم نتائجها بعيداً عن الضغوط السياسية والقضائية.
وتزامن ذلك مع الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الداخلية والنقل السابق سعيد سعيود بشأن ارتفاع أسعار الطماطم إلى 200 دينار للكيلوغرام خلال غشت الماضي، وما أعقبها من توبيخ علني وتغيير في المسؤوليات الحكومية خلال أكتوبر. وربطت «لوموند» بين القضيتين في سياق تناولها تضييق المجال المتاح للنقاش الاقتصادي، وإن كانت الوقائع وحدها لا تكفي للجزم بوجود قرار موحد يستهدف كل من ينتقد الأوضاع المعيشية.
ولا تقف مؤشرات التضييق عند حدود الخبراء الاقتصاديين، إذ تشكل قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المتعاون مع مجلتي «سو فوت» و«سوسيتي»، إحدى أبرز القضايا التي أثارت انتقادات دولية. فقد أوقف في 28 ماي 2024 أثناء إعداده تحقيقاً صحافياً عن نادي شبيبة القبائل، قبل أن يصدر في حقه حكم بالسجن سبع سنوات نافذة في يونيو 2025 بتهم مرتبطة بالإشادة بالإرهاب وحيازة منشورات ذات طابع دعائي. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم في 3 دجنبر من السنة نفسها.
وفي تطور لاحق، سحب غليز طعنه بالنقض، قبل أن تسجل المحكمة العليا الجزائرية انتهاء المسطرة القضائية في ماي 2026، ما فتح الطريق أمام إمكانية استفادته من عفو رئاسي. وبحلول يونيو، ظل الصحافي رهن الاعتقال، فيما استمرت المطالبات بالإفراج عنه. وتتمحور القضية حول اتصالات أجراها مع مسؤول في النادي له ارتباط بحركة تقرير المصير في منطقة القبائل، وهي حركة تصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية منذ سنة 2021.
وتعكس هذه القضية، وفق منظمات مدافعة عن حرية الصحافة، المخاطر التي قد تواجه الصحافيين عند تغطية قضايا تتقاطع فيها الرياضة بالهوية والسياسة. كما أعادت إلى الواجهة النقاش حول القيود الإدارية المفروضة على الإعلام الأجنبي، وصعوبة إنجاز تحقيقات مستقلة في الملفات الحساسة، خصوصاً عندما تتداخل مع التوترات السياسية أو القضايا المرتبطة بوحدة البلاد.
وفي السياق ذاته، أثار اعتقال الكاتب بوعلام صنصال في نونبر 2024، فور وصوله إلى الجزائر، انتقادات واسعة في الأوساط الثقافية والحقوقية. وتعلقت القضية بتصريحات أدلى بها حول الحدود التاريخية بين الجزائر والمغرب، قبل أن تلاحقه السلطات بتهم مرتبطة بأمن الدولة والوحدة الترابية، في إطار المادة 87 مكرر من قانون العقوبات.
وظل الكاتب رهن الاعتقال قرابة عام، وتحول ملفه إلى أحد أبرز مصادر التوتر بين الجزائر وفرنسا، قبل أن يفرج عنه في 12 نونبر 2025، عقب عفو رئاسي جاء بعد وساطة قادها الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير. وأبرزت القضية حجم التداخل بين الملفات القضائية والحسابات الدبلوماسية، كما أعادت طرح أسئلة بشأن مدى تناسب العقوبات مع التصريحات المنسوبة إلى أصحابها.
أما في الفضاء الرقمي، فقد باتت المنشورات والتدوينات موضوعاً لملاحقات قضائية في عدد من القضايا التي يتابعها ناشطون حقوقيون، خصوصاً عندما تتعلق بانتقاد السلطات أو الأوضاع الاجتماعية والسياسية. ويثير اللجوء إلى نصوص قانونية واسعة التأويل مخاوف من اتساع نطاق التجريم ليشمل تعبيرات لا تتجاوز حدود النقد السلمي، بما قد يدفع المستخدمين إلى ممارسة الرقابة الذاتية خشية المتابعة أو الاعتقال.
وامتد الجدل كذلك إلى الأوساط الأكاديمية، حيث سبق أن أدين الباحث في الدراسات الإسلامية سعيد جاب الخير سنة 2021 بالسجن ثلاث سنوات على خلفية كتاباته ومواقفه النقدية من بعض الموروثات الدينية، قبل أن تقضي محكمة الاستئناف ببراءته لاحقاً. وتبرز هذه القضية، إلى جانب ملف الخبير الاقتصادي جلول سلامة، التحديات التي تواجه النقاش العلمي والفكري عندما تصبح القضايا الخلافية موضوعاً للمتابعة الجنائية.
وفي مجال الإعلام المستقل، لا تزال قضية إحسان القاضي، مدير إذاعة «راديو إم» وموقع «مغرب إيمرجون»، من أبرز الملفات التي أثارت انتقادات بشأن وضع الصحافة في الجزائر. فقد أدين في يونيو 2023 بالسجن سبع سنوات، منها خمس نافذة، في قضية مرتبطة بتمويل مؤسسته الإعلامية، قبل أن يستفيد من عفو رئاسي في نونبر 2024. كما أغلقت السلطات مؤسسته الإعلامية، في تطور أثار مخاوف بشأن مستقبل المنابر المستقلة وقدرتها على مواصلة العمل.
ولم تقتصر الملاحقات على الصحافيين والأكاديميين، بل شملت أيضاً ناشطين سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، من بينهم فتحي غراس، منسق الحركة الديمقراطية والاجتماعية، الذي تعرض للاعتقال والمحاكمة سنة 2021. وتندرج هذه الحالات ضمن نقاش أوسع بشأن هامش العمل السياسي المعارض، ومدى قدرة الأحزاب والجمعيات على ممارسة أنشطتها وانتقاد السلطات دون التعرض لعقوبات أو قيود قضائية.
وتظل المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، المتعلقة بالجرائم الإرهابية، من أكثر النصوص إثارة للجدل في هذا السياق، بسبب المخاوف الحقوقية من توسيع نطاق تطبيقها على أنشطة وتعبيرات سياسية. كما أعادت المادة 196 مكرر، التي استند إليها الحكم الصادر بحق جلول سلامة، النقاش بشأن الحدود الفاصلة بين مكافحة الأخبار الكاذبة وحماية الحق في التحليل والنقد وتداول المعلومات.
وبين ملاحقة خبير اقتصادي بسبب تساؤلات حول مشروع استراتيجي، واستمرار احتجاز صحافي أجنبي، وتحول قضايا الكتابة والتعبير إلى ملفات قضائية، تواجه السلطات الجزائرية انتقادات متزايدة بشأن واقع الحريات العامة. ولا يتعلق جوهر الإشكال بمجرد وجود قوانين تجرّم أفعالاً محددة، بل بمدى احترام الضمانات القانونية وحرية التعبير والتناسب بين الأفعال المنسوبة إلى المتهمين والعقوبات الصادرة في حقهم.
وتكشف هذه الملفات، في مجموعها، عن اتساع دائرة التوتر بين مقتضيات الأمن التي تتمسك بها السلطات والحقوق التي تطالب بها الأوساط الصحافية والأكاديمية والحقوقية. وبينما تؤكد الحكومة الجزائرية أهمية حماية مؤسسات الدولة ومصالحها، تظل طريقة التعامل مع النقد السلمي والآراء المهنية معياراً أساسياً لقياس مدى اتساع المجال العام وقدرة المجتمع على مناقشة خياراته الاقتصادية والسياسية بحرية.