المنصوري وحكومة النفس السياسي…من تدبير الملفات إلى قيادة الخيارات

 

لم تعد المرحلة تقتضي حكومة تكتفي بتدبير الملفات وتسيير المرافق، بل تحتاج إلى نفس سياسي واضح، وإلى وزراء يمتلكون القدرة على اتخاذ القرار وتفسيره والدفاع عنه أمام الرأي العام. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في توزيع الحقائب الوزارية، وإنما في بناء فريق حكومي قادر على تحويل الالتزامات إلى سياسات عمومية ملموسة، وتحمل المسؤولية السياسية عن نتائجها.

إن عودة السياسة إلى العمل الحكومي تعني أن يكون للوزير موقف ورؤية، وأن يمتلك الكفاءة اللازمة لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب الشجاعة في اتخاذ القرارات الصعبة وتحمل تبعاتها. فالتدبير الإداري، مهما بلغت أهميته، لا يعوض غياب القيادة السياسية، كما أن الكفاءة التقنية وحدها لا تكفي لبناء الثقة بين الحكومة والمواطنين.

ومن هذا المنطلق، فإن الرهان أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لا ينبغي أن ينحصر في استقطاب أسماء ذات خبرة أو كفاءات متخصصة، بل يتعين أن يمتد إلى اختيار شخصيات قادرة على الجمع بين الكفاءة والمسؤولية السياسية، وبين الالتزام الحزبي والقدرة على التواصل والإقناع. فالحكومة القوية ليست تلك التي تضم وزراء يتقنون تدبير قطاعاتهم فحسب، وإنما التي تستطيع أن تقدم اختيارات واضحة، وتشرح أسبابها، وتتحمل مسؤولية نتائجها أمام البرلمان والمجتمع.

المطلوب، في نهاية المطاف، هو استعادة المعنى السياسي للمسؤولية الحكومية: أن يكون القرار واضحاً، وصاحبه معروفاً، والمحاسبة ممكنة، والنتائج قابلة للتقييم. عندها فقط يمكن الحديث عن حكومة لا تكتفي بتدبير الزمن المؤسساتي، بل تمتلك رؤية سياسية قادرة على مواكبة انتظارات المواطنين وكسب ثقتهم.

حكومة سياسية قوية، بأسماء تحمل مسارات حزبية ونضالية، قادرة على تحمل خياراتها، توضيح قراراتها، والدفاع عن الإصلاحات بشجاعة ومسؤولية.

الرهان ليس فقط على التدبير الإداري، بل على إعطاء بوصلة سياسية واضحة والالتزام بها أمام المواطنين.

وهذا ما  تجلي في تشكيلة حك،مة المنصوري التي تتميزب:

٠التجديد، الشباب، والحضور النسائي:

دينامية جديدة بوجوه شابة ونسائية تضخ دماء جديدة وطاقة مغايرة في العمل الحكومي، مع الحفاظ على عناصر الاستمرارية لضمان تراكم الخبرات.

تكريس تجديد النخب الوزارية لإحضار أفكار مبتكرة واستيعاب أفضل لتطلعات المجتمع وتحديات المرحلة.

٠هندسة حكومية مبتكرة وموجهة للنتائج

هندسة حكومية تجميعية ومبنية على محاور اشتغال جديدة تهدف إلى تسهيل اتخاذ القرار، توضيح المسؤوليات، ورفع كفاءة العمل العمومي.

أداء حكومي جاد ومسؤول يقيس نجاحه بالأثر المباشر والتحسينات الملموسة في الحياة اليومية للمواطنين.

٠الأوراش الكبرى والتوجهات الاستراتيجية:

الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية:

حكومة منسجمة بأفق تعزيز المساواة، تقليص التفاوتات، وتحقيق تنمية شاملة تصل فوائدها إلى جميع الجهات والفئات.

محاور التجديد الوزاري:

تركيز العمل على أولويات استراتيجية تشمل: المساواة، الذكاء الاصطناعي، النجاعة العمومية، السيادة الغذائية، الابتكار، وتعزيز الحوار الاجتماعي.

تنظيم إداري فعال: الاعتماد على وزارات منتدبة في خدمة الوزارات القطاعية لضمان النجاعة، مع استبعاد خيار كتابات الدولة.”

الاستجابة للتحديات الملكية والتطلعات المجتمعية:

تعبئة شاملة ومسؤولة تماشياً مع التوجيهات الملكية التي تؤكد أن المرحلة تقتضي حكومة مندمجة، قادرة على توحيد الطاقات حول أولويات مشتركة.

التعامل مع الصعوبات بشجاعة وواقعية دون وعود زائفة، مع جعل الكرامة، الحماية الاجتماعية، والعدالة المجالية بوصلة لكل القرار

٠حكومة بنفس سياسي:

لا يتعلق الرهان على حكومة فاطمة الزهراء المنصوري بمجرد تشكيل أغلبية برلمانية وتوزيع الحقائب الوزارية، بقدر ما يرتبط بطبيعة النفس السياسي الذي ستختاره الحكومة في تدبير المرحلة المقبلة. فالمغاربة لا ينتظرون فقط فريقاً قادراً على تسيير القطاعات، وإنما حكومة تمتلك رؤية واضحة، وتتحمل مسؤولية قراراتها، وتستطيع إقناع المواطنين بجدوى اختياراتها.

إن أحد الأسئلة المطروحة اليوم يتعلق بمدى قدرة الحكومة الجديدة على إعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها ممارسة تقوم على الاختيار والمبادرة والمحاسبة، لا مجرد تدبير إداري للملفات. فالكفاءة التقنية ضرورية، لكنها لا تعوض غياب القرار السياسي، كما أن امتلاك الخبرة في تدبير القطاعات لا يكفي وحده لبناء الثقة ما لم يقترن بالقدرة على التواصل مع المواطنين وشرح القرارات وتحمل تبعاتها.

ومن هذه الزاوية، فاختيار الوزراء يعد مؤشراً مهماً على طبيعة المرحلة. فالمطلوب ليس فقط الجمع بين الخبرة والتخصص، وإنما أيضاً استحضار الوزن السياسي للقطاعات، ومدى قدرة المسؤولين على الدفاع عن توجهات الحكومة داخل البرلمان وخارجه. فالوزير ليس مجرد مسؤول عن إدارة قطاعه، بل طرف في تنفيذ برنامج حكومي مشترك، يتحمل مسؤولية نتائجه أمام المؤسسات والرأي العام… لكن بنفس سياسي..

عموما ،تعيين المنصوري على رئاسة الحكومة استثناء، وأكيد ان حكومتها ستكون استثناء -ايضا- في تاريخ المغرب المعاصر،

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *