شكل الاستقبال الذي خص به جلالة الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة الحدث البارز لهذا الاسبوع ، لكون الاستقبال الملكي لم يشكل لقاء عابرا في سياق المشاورات الجارية لتشكيل الأغلبية. فتوقيت الاستقبال، والموضوع الذي تناوله، والعبارات والرسائل العميقة التي تضمنها البلاغ الرسمي، كلها عناصر تجعل منه محطة تستحق التوقف عندها، خصوصا أن المغرب مقبل على مرحلة تحتاج إلى حكومة قادرة على الانتقال بسرعة من التفاوض السياسي على الحقايب الوزارية إلى تدبير الملفات المطروحة.
البلاغ جاء واضحا في نقطة أساسية: المنصوري أطلعت الملك على مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة، لكنه لا يكشف طبيعة الصعوبات التي واجهتها المشاورات، ولا يقدم تفاصيل عن مستوى التقدم المحقق. لذلك، فإن الحديث عن خلافات داخل الأغلبية أو تعثر في المفاوضات يظل رهينا بمعطيات إضافية، لا يمكن استنتاجها من البلاغ وحده.
غير أن ما يستحق الانتباه هو اقتران تمنيات جلالة الملك للمنصوري بالتوفيق والنجاح بالتأكيد على ضرورة التعبئة الشاملة، والتحلي بالجدية والمسؤولية في الأداء الحكومي. هنا تكمن أهمية الرسالة: هناك دعم واضح للمهمة التي كُلفت بها رئيسة الحكومة، لكن هذا الدعم يرتبط أيضا بحجم المسؤولية المنتظرة منها، وبما تتطلبه المرحلة من عمل فعلي يستجيب للرهانات والتحديات القائمة.
هل يحمل البلاغ عتابا ملكيا ناعما للمنصوري بسبب إيقاع تشكيل الحكومة؟ لا توجد في النص عبارة صريحة تسمح بالجزم بذلك. لكن من الممكن قراءة التأكيد على حجم الانتظارات والتحديات باعتباره تذكيرا بثقل المهمة، وبأن المشاورات السياسية، مهما كانت ضرورية، لا ينبغي أن تحجب الهدف الأساسي، وهو تشكيل حكومة قادرة على تحمل مسؤولياتها والبدء في تنفيذ برنامجها.
![]()
فالمشكلة التي تواجه المنصوري لا تختزل في الوصول إلى توافق بين الأحزاب حول الحقائب الوزارية، بل تتعلق أيضا بطبيعة الحكومة التي ستخرج من هذه المفاوضات. هل ستكون حكومة مبنية أساسا على التوازنات الحزبية، أم أن معيار الكفاءة والقدرة على التدبير سيكون حاضرا بقوة في اختيار الوزراء؟ هذا هو السؤال الذي سيحدد، إلى حد بعيد، صورة التجربة الحكومية المقبلة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالكفاءة التقنية وحدها، لأن تدبير القطاعات الحكومية يحتاج أيضا إلى بروفيلات سياسية قادرة على اتخاذ القرار، والتواصل مع المواطنين، وتحمل المسؤولية عند ظهور الصعوبات. كما أن انسجام الفريق الحكومي سيكون عاملا حاسما، خصوصا أن تعدد مكونات الأغلبية قد يجعل التوفيق بين الحسابات الحزبية والأولويات الحكومية مهمة معقدة.
وتزداد هذه المسؤولية ثقلا مع اقتراب استحقاقات مالية ومؤسساتية مهمة، وفي مقدمتها مشروع قانون المالية لسنة 2027. فالحكومة المقبلة لن تجد أمامها متسعا كبيرا للانشغال بترتيب بيتها الداخلي على حساب الملفات الاقتصادية والاجتماعية. وكل تأخر في استكمال التشكيلة قد يضغط على الزمن المتاح للتحضير واتخاذ القرارات، وإن كان احترام المساطر الدستورية والقانونية يظل أساسيا ولا يمكن اختزاله في عامل السرعة وحده.
ومن هذه الناحية، فإن الرسالة الأهم في البلاغ لا تكمن بالضرورة في وجود عتاب غير معلن، بل في إعادة وضع المسؤولية الحكومية في إطارها الصحيح. فتشكيل الحكومة ليس انتصارا لحزب على آخر، ولا مناسبة لتوزيع المواقع وفق حسابات ضيقة، وإنما خطوة أولى في مسار سيُقاس بما يحققه من نتائج، وبقدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
أمام المنصوري، إذن، مهمتان متلازمتان: إنهاء مشاورات تشكيل الحكومة في اقرب وقت بما يضمن أغلبية قادرة على العمل، واختيار فريق حكومي تتناسب مؤهلاته مع حجم الملفات المطروحة وتحديات المرحلة كما اشار بلاغ الديوان الملكي، وقد تنجح المفاوضات في إنتاج توافق سياسي، لكن ذلك لن يكون كافيا إذا لم يتحول هذا التوافق إلى انسجام في العمل ووضوح في المسؤوليات وفي الحكامة وفي التدبير،
لذلك ، اعتبر بان الاستقبال الملكي للمنصوري يمنح دعما مؤسساتيا واضحا لها ، لكنه في نفس الوقت يضع مهمتها أيضا أمام معيار لا يمكن تجاوزه: الجدية في الأداء والقدرة على مواجهة تحديات المرحلة. أما الحديث عن العتاب، فيبقى قراءة سياسية محتملة لا موقفا صريحا ورد في البلاغ. والحكم الحقيقي على هذه التجربة لن يصدر من صياغة البلاغ أو من سرعة الإعلان عن أسماء الوزراء، بل من ما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعبئة شاملة، وأداء حكومي جاد ومسؤول، استحضارا لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات، وفي مختلف المستويات كما جاء في بلاغ الديوان الملكي،
الدكتور ميلود بلقاضي
belcadi@belpresse.com