26 غائبا و90 صوتا ملغى.. انطلاقة مثيرة للجدل بالبرلمان

لم تكن جلسة انتخاب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب، الثلاثاء، مجرد محطة إجرائية لافتتاح الولاية التشريعية 2026-2031، بل حملت مؤشرات سياسية وتنظيمية تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة التوازنات داخل المؤسسة التشريعية الجديدة، ومدى استعداد مكوناتها للاضطلاع بأدوارها الدستورية. فبينما نجحت الأغلبية الحكومية في إيصال مرشحها عن حزب الأصالة والمعاصرة إلى رئاسة الغرفة الأولى، كشفت تفاصيل الجلسة عن غيابات لافتة، ومعارضة مشتتة، وأصوات ملغاة لم تُكشف ملابساتها، فضلا عن ارتباك في تدبير أول اختبار مؤسساتي للمجلس.

أولى الإشارات التي استوقفت المتابعين تمثلت في غياب 26 نائبا ونائبة عن جلسة انتخاب رئيس المجلس، من أصل 395 عضوا، أي ما يقارب 6.6 في المائة من مجموع أعضاء المؤسسة التشريعية. وضمت قائمة المتغيبين رئيسة الحكومة المعيّنة فاطمة الزهراء المنصوري، إلى جانب عدد من أعضاء الحكومة المنتهية ولايتها، الذين قد يكون غيابهم مرتبطا بالوضعية الدستورية الناجمة عن الجمع بين المسؤولية الحكومية والعضوية البرلمانية. غير أن غياب نواب منتخبين في الولاية الجديدة، رغم المناداة على أسمائهم للمشاركة في التصويت، يفتح النقاش حول مدى انخراط جميع مكونات المجلس في انطلاق مرحلة تشريعية يفترض أن تكون حاسمة.

 

سياسيا، أظهرت نتائج الاقتراع أن الأغلبية دخلت الجلسة أكثر تماسكا في حسم منصب الرئاسة، مقابل عجز المعارضة عن بلورة جبهة موحدة قادرة على تقديم منافس مشترك. وفي الوقت الذي حصد فيه أحمد التويزي 220 صوتا، حصل مرشح حزب العدالة والتنمية، إدريس الأزمي الإدريسي، على 59 صوتا، في ظل غياب مرشح عن باقي مكونات المعارضة.

 

وتكشف الأرقام، إذا افترضنا تصويت جميع أعضاء فريق العدالة والتنمية، البالغ عددهم 54 نائبا، لصالح مرشحهم، أن الأزمي حصل على خمسة أصوات إضافية فقط من خارج فريقه. وهي حصيلة تعكس محدودية القدرة على استقطاب أصوات بقية الفرق، وإن كانت لا تكفي وحدها لتحديد الجهات التي منحت هذه الأصوات أو تفسير اختيارات النواب خلال الاقتراع.

 

ويزداد هذا المعطى أهمية بالنظر إلى إعلان نواب تحالف اليسار امتناعهم عن التصويت، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال التنسيق بين مكونات المعارضة، وحدود قدرتها على تحويل اختلافاتها السياسية والتنظيمية إلى موقف مشترك داخل المؤسسة التشريعية. فعدم التوافق على مرشح موحد لمنافسة مرشح الأغلبية لم يكن مجرد تفصيل عابر، بل عكس منذ الجلسة الأولى تباينا في مقاربات تدبير المرحلة الجديدة، وترك الأغلبية أمام منافسة محدودة لم تهدد حسمها للمنصب.

 

لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل ارتبط بتدبير التصويت وإعلان نتائجه. فقد أُعلن عن مشاركة 369 نائبا في الاقتراع، أسفرت عن 279 صوتا صحيحا و90 صوتا ملغى، من دون تقديم تفاصيل كافية بشأن طبيعة الأوراق الملغاة، أو تحديد عدد الأوراق البيضاء وتمييزها عن الأصوات التي أُلغيت لأسباب أخرى. وهذا الغموض أبقى عددا من الأسئلة مفتوحا بشأن كيفية توزيع أصوات النواب، ولا سيما في صفوف الفرق التي لم تقدم مرشحا للرئاسة.

 

وفي هذا السياق، برز احتجاج نواب تحالف اليسار على عدم احتساب موقفهم ضمن الممتنعين عن التصويت، بما يثير تساؤلات حول كيفية توثيق المواقف المعلنة للفرق البرلمانية ومطابقتها مع النتائج الرسمية. فدقة الإجراءات ووضوحها لا يقلان أهمية عن النتيجة النهائية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بجلسة تأسيسية يفترض أن تشكل نموذجا في احترام المساطر وضمان الشفافية.

 

كما بقي موقف حزبي التجمع الوطني للأحرار، الذي يتوفر على 66 مقعدا، والحركة الشعبية، صاحب 29 مقعدا، محاطا بالتساؤلات، بعدما لم يقدما مرشحا لرئاسة المجلس. ولم تكشف النتائج المعلنة بصورة تفصيلية عن الوجهة التي سلكتها أصوات نواب الحزبين، أو مدى حضورهم ضمن الأصوات الملغاة، وهو ما يجعل قراءة الخريطة السياسية للتصويت غير مكتملة، ويحد من إمكانية استخلاص مواقف نهائية بشأن طبيعة الاصطفافات داخل المجلس الجديد.

 

ولم تقتصر الملاحظات على الجانب السياسي، بل امتدت إلى طريقة إدارة الجلسة من طرف أكبر الأعضاء سنا، الذي بدا عليه الارتباك في تدبير بعض مراحلها، معتمدا على أوراق مكتوبة أمامه، وسط صعوبات في ضبط الإجراءات ومواكبة مجريات التصويت. ورغم أن إدارة الجلسات الافتتاحية قد تطرح تحديات تنظيمية، فإن ما رافق هذه المحطة أعاد التأكيد على أهمية الإعداد المسبق، ووضوح المساطر، وضمان السير السلس للأشغال البرلمانية منذ انطلاق الولاية.

 

وبينما حسمت الأغلبية معركة رئاسة مجلس النواب لفائدة أحمد التويزي، فإن دلالات الجلسة تتجاوز هوية الفائز إلى طبيعة المشهد الذي أفرزته. فغياب عدد من النواب، وتشتت المعارضة، والغموض المحيط بالأصوات الملغاة، والاحتجاج بشأن توثيق مواقف الممتنعين، كلها عناصر تجعل الانطلاقة الأولى محط مساءلة سياسية ومؤسساتية.

 

وتضع هذه المؤشرات المجلس الجديد أمام اختبار يتجاوز استكمال هياكله التنظيمية، إلى استعادة الثقة في فعالية العمل البرلماني وقدرته على أداء وظائف التشريع ومراقبة الحكومة. فنجاح الولاية التشريعية لن يقاس فقط بقدرة الأغلبية على حسم المناصب، وإنما أيضا بمدى احترام قواعد المنافسة الديمقراطية، وشفافية الإجراءات، وقدرة مختلف الفرق على ممارسة أدوارها داخل مؤسسة يفترض أن تكون فضاء للنقاش والمساءلة وتدبير الاختلاف.

 

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *