حكومة المنصوري تحت المجهر..هل ستكون حكومة ”كفاءات” أم ”ولاءات” ؟؟

بعد الإعلان عن أحزاب تشكيل الأغلبية الحكومية، ستواجه المنصوري تحديًا كبيرًا، يتمثل في كيفية اختيار الوزراء، لأن بروفايلات وزراء حكومتها هي مرآة حكومتها، والعامل الأساسي للحكم عليها، لأنه حينما تُقصي الرداءةُ الكفاءةَ من الاستوزار، تنقلب معادلة المنطق.

فشل الحكومات أو نجاحها يرتبط بنوعية وزرائها، وهنا تتحمل رئيسة الحكومة، المنصوري، المسؤولية. لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق توزيع الحقائب هو: هل تتوفر أحزاب الأغلبية الحكومية، أي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، على بروفايلات للاستوزار في مستوى تحديات المرحلة؟

هذا السؤال لا ينتقص من الأحزاب ولا يشكك في مؤهلات مرشحيها، لكنه يضع النقاش في مكانه السليم. فالمغاربة لا تعنيهم كثيرًا التفاصيل التي ترافق المفاوضات حول المناصب، بقدر ما تعنيهم طبيعة الأشخاص الذين سيتولون تدبير شؤونهم اليومية، ومدى قدرتهم على نهج سياسات عمومية تستجيب لتطلعاتهم.

بالنسبة إلى المنصوري، ستكون التشكيلة الحكومية أول إشارة إلى الطريقة التي تريد بها تدبير الأغلبية. هل ستمنح الأولوية للتوازنات التي تفرضها المفاوضات، أم ستدافع عن اختيار أشخاص تتناسب خبراتهم مع طبيعة المسؤوليات المعروضة عليهم؟ الواقع أن الأمرين ليسا متعارضين بالضرورة، لكن الصعوبة تبدأ عندما يصبح إرضاء الأحزاب أهم من البحث عن الشخص المناسب لكل قطاع.

د.ميلود بلقاضي
د.ميلود بلقاضي

ولا يعني ذلك أن الحل يكمن في إبعاد السياسيين والاستعانة بالتكنوقراط. فالوزير يحتاج إلى معرفة إدارية وتقنية، لكنه يحتاج أيضًا إلى فهم العمل السياسي، والقدرة على التفاوض مع الفرقاء، والدفاع عن قراراته أمام البرلمان. المشكلة ليست في الانتماء الحزبي، وإنما في أن يتحول هذا الانتماء إلى المعيار الحاسم في التعيين، بصرف النظر عن طبيعة المهمة الحكومية.

تزداد أهمية اختيار الوزراء بالنظر إلى طبيعة الأغلبية التي جرى الإعلان عنها، والتي تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. فهذه الأحزاب تدخل التجربة الحكومية بخلفيات مختلفة، ولكل منها تصوره لأولويات المرحلة وانتظاراته من المشاركة في السلطة.

ومن الطبيعي أن تسعى قياداتها إلى ضمان حضور وازن في الحكومة، لكن نجاح التجربة لن يتوقف على عدد الحقائب التي يحصل عليها كل حزب. الأهم هو أن تكون هناك رؤية مشتركة تسمح للوزراء بالعمل في اتجاه واحد، خصوصًا عندما تتطلب الملفات قرارات تتجاوز حدود القطاع الواحد أو تفرض المفاضلة بين أولويات متنافسة.

وهنا تحديدًا سيظهر دور المنصوري. فقيادة الحكومة لا تعني فقط توزيع المسؤوليات، بل تعني أيضًا القدرة على تدبير الاختلاف بين الوزراء، ومنع تحول التباينات الحزبية إلى عائق أمام تنفيذ البرنامج الحكومي. وإذا كان التفاوض ضروريًا للوصول إلى التشكيلة، فإن استمرار التفاوض حول كل قرار بعد تشكيل الحكومة قد يجعل الانسجام المعلن مجرد اتفاق ظرفي.

ولا يمكن، في المقابل، الحكم مسبقًا على الأسماء التي ستقترحها الأحزاب. فالمسار السياسي وحده لا يكفي للحكم على قدرة شخص ما على تدبير قطاع معين، كما أن التجربة المهنية لا تضمن النجاح تلقائيًا. المطلوب هو النظر إلى ما راكمه كل مرشح من خبرة، والمسؤوليات التي تحملها، ومدى معرفته بالقطاع الذي سيُكلف به. أما الأسماء المتداولة قبل الإعلان الرسمي، فينبغي التعامل معها باعتبارها احتمالات لا قرارات محسومة.

لأن اختيار الوزراء مسؤولية سياسية قبل أن يكون تقسيمًا للمناصب، فإن الدستور المغربي واضح في هذا الموضوع؛ فالفصل 47 من الدستور يمنح رئيس الحكومة صلاحية اقتراح أعضاء الحكومة، الذين يعينهم الملك. لكن الممارسة السياسية تجعل هذه العملية مرتبطة أيضًا بالتوافق مع الأحزاب المشاركة في الأغلبية. ومن ثم، فإن هامش الاختيار الذي تتوفر عليه المنصوري سيُختبر بمدى قدرتها على الجمع بين احترام التوازنات السياسية والدفاع عن معايير واضحة في انتقاء أعضاء فريقها.

وقد يكون من السهل الوصول إلى صيغة ترضي مختلف الأطراف في لحظة التشكيل، لكن الأصعب هو بناء حكومة تستطيع العمل بعد انتهاء المفاوضات. فالوزير الذي يدخل الحكومة باسم حزبه يصبح مسؤولًا عن قطاع عمومي، وتصبح قراراته جزءًا من حصيلة الأغلبية كلها. وهذا يقتضي أن تكون العلاقة بينه وبين رئيسة الحكومة قائمة على وضوح المهام، والتنسيق، والاستعداد لمناقشة النتائج، لا على مجرد التفاهم الذي سمح له بالحصول على الحقيبة.

كما أن نجاح الحكومة لن يتوقف على كفاءة الوزراء فرادى فقط. فقد يكون الوزير صاحب تجربة مهمة، لكنه يصطدم بإدارة ضعيفة أو بموارد غير كافية أو بغياب التنسيق مع القطاعات الأخرى. لذلك، فإن الرهان لا يتعلق باختيار أسماء لامعة فحسب، وإنما ببناء فريق يعرف ما يريد تحقيقه، ويملك الوسائل اللازمة للعمل، ويقبل بأن تكون حصيلته موضع تقييم ومساءلة.

لذلك، نقول إن الإعلان عن أسماء الوزراء لن يكون نهاية النقاش، بل بدايته، لأنه من حق المغاربة مساءلة كل وزير عن برنامجه وأولوياته والنتائج التي حققها، تمامًا كما سيكون من حق البرلمان مراقبة عمل الحكومة وتقييم سياساتها. أما المنصوري، فستكون أمام مسؤولية إثبات أن الاختيارات التي ستعتمدها لم تُحسم فقط داخل غرف المفاوضات، وإنما أخذت بعين الاعتبار طبيعة المرحلة وحجم الملفات المطروحة ونوعية البروفيلات.

فالحكومة لا تُختبر يوم تعلن تشكيلتها، ولا تُقاس قوتها بعدد الأسماء المعروفة التي تضمها. الاختبار يبدأ عندما توضع أمامها ملفات حقيقية، وعندما يصبح عليها أن تختار بين حلول مكلفة ووعود سهلة، وأن تشرح للمواطنين ما تستطيع إنجازه وما يتعذر عليها تحقيقه. عندها فقط ستتضح قيمة الاختيارات التي ستعتمدها المنصوري، وسيتبين ما إذا كانت الحكومة الجديدة قد تشكلت لتدبير التوازنات الحزبية، أم لتتحمل مسؤولية مرحلة صعبة مفتوحة على كل الاحتمالات في سياق وطني مأزوم . وسياق دولي مضطرب.

المقالات المرتبطة

أضف رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *