لم يعد تشكيل الحكومة الجديدة مجرد سباق سياسي لحسم مكونات الأغلبية وتوزيع الحقائب الوزارية، بل تحول إلى سباق دستوري مفتوح مع الزمن، بعدما بات يفصل فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، أسبوع واحد فقط عن حلول 20 أكتوبر، آخر أجل قانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 لدى مجلس النواب.
وتجد المنصوري نفسها أمام أجندة شديدة الازدحام، تبدأ باستكمال المشاورات مع الأحزاب المعنية بالمشاركة في الحكومة، وتمر عبر الاتفاق على هندسة الأغلبية والتشكيلة الوزارية ورفع أسماء الوزراء المقترحين إلى الملك محمد السادس قصد تعيينهم، وصولا إلى تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان ومناقشته والتصويت عليه.
وتكتسي هذه الآجال حساسية خاصة، بالنظر إلى أن مجلس النواب سيعقد، غدا الثلاثاء 13 أكتوبر، جلسة عمومية لانتخاب رئيسه، بينما يحل الثلاثاء الموالي الموعد الأقصى لإيداع مشروع قانون المالية، طبقا للمادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية، التي تنص على إيداع المشروع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير.
وبين التاريخين، تبدو هامش المناورة المتاح أمام رئيسة الحكومة المكلفة ضيقا للغاية، خصوصا أن التجارب الحكومية السابقة أظهرت تفاوتا في المدة الفاصلة بين تقديم البرنامج الحكومي والتصويت عليه.
فقد استغرقت هذه المسطرة سبعة أيام خلال تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2012، من 19 إلى 26 يناير، والمدة نفسها مع حكومة سعد الدين العثماني سنة 2017، من 19 إلى 26 أبريل، بينما اختصرتها حكومة عزيز أخنوش سنة 2021 في يومين فقط، بين 11 و13 أكتوبر.
كما ينص النظام الداخلي لمجلس النواب على مناقشة البرنامج الحكومي داخل أجل يتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام، قبل التصويت عليه، في وقت يحتاج فيه مشروع قانون المالية بدوره إلى استكمال مسطرته الدستورية، من خلال التداول في توجهاته العامة داخل المجلس الوزاري، ثم المصادقة عليه في المجلس الحكومي، قبل إحالته إلى المؤسسة التشريعية.
ويفتح هذا التزاحم في المواعيد أكثر من سؤال حول مآل مشروع مالية 2027، وعن الأسباب التي حالت دون مصادقة حكومة عزيز أخنوش عليه وإحالته إلى البرلمان قبل انتهاء مهامها ودخولها مرحلة تصريف الأعمال، على غرار الخطوة الاستباقية التي اتخذتها حكومة عبد الإله بنكيران قبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2016.
وكانت حكومة أخنوش قد قطعت أشواطا في إعداد المشروع قبل إجراء الانتخابات، بعدما قدمت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، خلال يوليوز الماضي، عرضا أمام لجنتي المالية بالبرلمان حول الإطار العام لإعداده، قبل إصدار المذكرة التوجيهية الخاصة به في غشت. غير أن هذه التحضيرات لم تنته بالمصادقة على المشروع داخل المجلس الحكومي وإحالته إلى مجلس النواب قبل انتهاء الولاية الحكومية.
ويطرح تأخر تشكيل الحكومة الجديدة إشكالا قانونيا بشأن الجهة المخول لها المصادقة على مشروع قانون المالية، في ظل القيود المفروضة على حكومة تصريف الأعمال. فالقانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، ينص في مادته 36 على استمرار الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية إلى حين تشكيل حكومة جديدة.
وتحصر المادة 37 من القانون ذاته صلاحيات هذه الحكومة في اتخاذ المراسيم والقرارات والتدابير الضرورية والمستعجلة لضمان استمرارية عمل مصالح الدولة ومؤسساتها، مقابل استبعاد القرارات التي من شأنها إلزام الحكومة المقبلة بصورة دائمة ومستمرة، وفي مقدمتها المصادقة على مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية والتعيين في المناصب العليا.
وبناء على هذه المقتضيات، لا تدخل المصادقة على مشروع قانون المالية، من حيث الأصل، ضمن الاختصاصات العادية لحكومة عزيز أخنوش بعد تحولها إلى حكومة لتصريف الأعمال، ما يجعل الإسراع بتشكيل الحكومة الجديدة الخيار الأكثر انسجاما مع المسطرة القانونية، وإن كان الحيز الزمني المتبقي يضع هذا السيناريو أمام اختبار حقيقي.
غير أن الباب لا يبدو مغلقا بشكل نهائي أمام احتمال تدخل حكومة تصريف الأعمال إذا فرضت الضرورة ذلك، بالنظر إلى الاجتهاد الذي سبق أن أقره المجلس الدستوري، المحكمة الدستورية حاليا، في قراره رقم 955/2015 الصادر في 4 مارس 2015، والمتعلق بالقانون التنظيمي المنظم لأشغال الحكومة.
واعتبر المجلس، عند فحصه المادة 37 التي تستثني المصادقة على مشاريع القوانين من اختصاصات حكومة تصريف الأعمال، أن “هذه الفقرة ليس فيها ما يخالف الدستور، إلا أنه يتعين في إعمالها مراعاة ما قد تستلزمه حالة الضرورة من اتخاذ تدابير تشريعية أو تنظيمية لمواجهتها”.
ويعيد هذا الاجتهاد إلى الواجهة النقاش بشأن حدود مفهوم الضرورة وإمكانية الاستناد إليه لتجاوز المأزق، إذا تعذر تشكيل الحكومة الجديدة واستكمال مسطرة مشروع قانون المالية قبل 20 أكتوبر، دون أن يلغي ذلك الطابع الاستثنائي لهذا الخيار وما قد يثيره من نقاش سياسي ودستوري.
وتقدم تجربة سنة 2016 نموذجا مختلفا في التعامل مع هذا الاستحقاق. ففي 4 أكتوبر من السنة نفسها، وقبل الانتخابات التشريعية المقررة في 7 أكتوبر، صادقت حكومة عبد الإله بنكيران على مشروع القانون رقم 73.16 المتعلق بمالية سنة 2017، إلى جانب أربعة مشاريع مراسيم مرتبطة به، وأحالته إلى البرلمان قبل دخول البلاد مرحلة المشاورات الحكومية.
ومكنت هذه الخطوة من تفادي تجاوز أجل الإيداع، رغم أن تشكيل الحكومة دخل بعد الانتخابات في حالة “بلوكاج” استمرت أشهرا، وانتهت بتعذر تشكيل بنكيران للحكومة، قبل تعيين سعد الدين العثماني رئيسا لها في مارس 2017.
ولم تستأنف المناقشة التشريعية لمشروع مالية 2017 إلا بعد تشكيل حكومة العثماني وتنصيبها، قبل أن يصادق عليه مجلس النواب نهائيا، في قراءة ثانية، يوم 6 يونيو من السنة نفسها.
لكن إيداع المشروع داخل الأجل لم يمنع المغرب من دخول سنة 2017 دون قانون مالية مصادق عليه. وأمام استمرار أزمة تشكيل الحكومة، لجأت حكومة بنكيران، التي كانت تتولى تصريف الأعمال، إلى مسطرة استثنائية لضمان استمرار المرافق العمومية.
وصادق المجلس الحكومي، في 15 دجنبر 2016، على مشروعي مرسومين لفتح الاعتمادات الضرورية لسير المرافق العمومية واستخلاص بعض المداخيل برسم سنة 2017، استنادا إلى الفصل 75 من الدستور والمادة 50 من القانون التنظيمي لقانون المالية، اللذين يسمحان للحكومة باتخاذ هذه التدابير عندما لا تتم المصادقة على قانون المالية قبل نهاية السنة.
وبين تسريع تشكيل الحكومة الجديدة، أو استدعاء اجتهاد الضرورة، أو تجاوز تاريخ 20 أكتوبر والبحث عن مخرج قانوني لاحق، تدخل مشاورات المنصوري أسبوعها الحاسم تحت ضغط استحقاق لا يحتمل كثيرا من الانتظار. فالوقت هذه المرة لا يضغط فقط على مفاوضات الأغلبية، بل يضع أول امتحان دستوري ومالي أمام الحكومة التي لم تر النور بعد.